كتاب عون المعبود شرح سنن أبي داود (ط. المكبتة السلفية) (اسم الجزء: 3)

عَنْ يُونُس بْن يَزِيد الْأَيْلِيِّ عَنْ اِبْن شِهَاب قَالَ " بَلَغَنَا أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَمَعَ أَهْل الْعَوَالِي فِي مَسْجِده يَوْم الْجُمُعَة " اِنْتَهَى . قَالَ الْقُرْطُبِيّ وَصَاحِب التَّوْضِيح فِي حَدِيث عَائِشَة رَدّ لِقَوْلِ الْكُوفِيِّينَ إِنَّ الْجُمُعَة لَا تَجِب عَلَى مَنْ كَانَ خَارِج الْمِصْر ، لِأَنَّ عَائِشَة أَخْبَرَتْ عَنْهُمْ بِفِعْل دَائِم أَنَّهُمْ كَانُوا يَتَنَاوَبُونَ الْجُمُعَة فَدَلَّ عَلَى لُزُومهَا عَلَيْهِمْ . اِنْتَهَى .
فَإِنْ قُلْت : لَوْ كَانَ حُضُور أَهْل الْعَوَالِي وَاجِبًا إِلَى الْمَدِينَة مَا تَنَاوَبُوا وَلَكَانُوا يَحْضُرُونَ جَمِيعًا .
قُلْت : لَيْسَ الْمُرَاد مِنْ قَوْلهَا يَنْتَابُونَ أَنَّ بَعْض أَهْل الْعَوَالِي كَانُوا يَأْتُونَ مَسْجِد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَعْضهمْ يُجَمِّعُونَ فِي مَنَازِلهمْ ، بَلْ الْمُرَاد مَنْ كَانَ حَاضِرًا فِي مَنَازِلهمْ حَضَرُوا الْمَدِينَة يَوْم الْجُمُعَة ، لِأَنَّ فِيهِمْ مَنْ يَتَفَرَّق إِلَى حَوَائِجه مِنْ سَفَر أَوْ عَمَل وَلَمْ يَصِل إِلَى مَنْزِله يَوْم الْجُمُعَة ، وَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ مِنْ أَصْحَاب الْأَعْذَار لَا يَسْتَطِيع الْحُضُور إِلَى الْمَدِينَة ، فَكَيْفَ يَحْضُرُونَ جَمِيعًا . نَعَمْ لَمَّا وَصَلُوا هَؤُلَاءِ إِلَى مَنَازِلهمْ وَزَالَتْ عَنْهُمْ الْأَعْذَار كَانُوا يَحْضُرُونَ الْمَسْجِد ، وَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ حَضَرَ الْمَدِينَة فِي الْجُمُعَة الْأُولَى لَعَلَّهُ غَابَ لِلْعِلَّةِ الْمَذْكُورَة فِي الْجُمُعَة الْآخِرَة وَلَمْ يَصِل إِلَى الْمَدِينَة .
وَالْحَاصِل أَنَّ بَعْض هَؤُلَاءِ يَحْضُرُونَ الْمَدِينَة فِي الْجُمُعَة الْأُولَى مَثَلًا ، ثُمَّ مِنْ هَؤُلَاءِ الْحَاضِرِينَ مَنْ يَغِيب فِي الْجُمُعَة الْأُخْرَى ، فَصَدَقَتْ عَائِشَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا فِي قَوْلهَا أَنَّهُمْ كَانُوا يَنْتَابُونَ ، فَانْتِيَابهمْ لِأَجْلِ هَذَا لَا لِعَدَمِ الْمُبَالَاة فِي حُضُور الصَّلَاة ، لِأَنَّ فِي الرِّوَايَة الْمَذْكُورَة عَنْ الزُّهْرِيّ " أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَمَعَ أَهْل الْعَوَالِي فِي مَسْجِده يَوْم الْجُمُعَة " وَهَذِهِ الرِّوَايَة مُبَيِّنَةٌ لِلْمُرَادِ .
وَالْحَدِيث فِيهِ دَلِيل عَلَى لُزُوم حُضُور الْمَسْجِد الْجَامِع لِصَلَاةِ الْجُمُعَة لِمَنْ كَانَ عَلَى مَسَافَة ثَلَاثَة أَمْيَال فَمَا دُونهَا وَلَا يَحْسُن لَهُ التَّجْمِيع فِي غَيْره ، فَمَنْ جَمَّعَ فِي غَيْره مِنْ غَيْر عُذْر شَرْعِيّ فَقَدْ خَالَفَ السُّنَّة وَأَثِمَ لَكِنْ لَا تَبْطُل صَلَاته لِأَنَّهُ مَا وَرَدَ @

الصفحة 381