كتاب عون المعبود شرح سنن أبي داود (ط. المكبتة السلفية) (اسم الجزء: 3)
لَمْ تَكُنْ تُصَلَّى فِي عَهْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِي عَهْد الْخُلَفَاء الرَّاشِدِينَ إِلَّا فِي مَسْجِد وَاحِد أَبْيَن الْبَيَان بِأَنَّ الْجُمُعَة خِلَاف سَائِر الصَّلَوَات ، وَأَنَّهَا لَا تُصَلَّى إِلَّا فِي مَكَان وَاحِد .
وَذَكَرَ الْخَطِيب فِي تَارِيخ بَغْدَاد أَنَّ أَوَّل جُمُعَة أُحْدِثَتْ فِي الْإِسْلَام فِي بَلَد مَعَ قِيَام الْجُمُعَة الْقَدِيمَة فِي أَيَّام الْمُعْتَصِم فِي دَار الْخِلَافَة مِنْ غَيْر بِنَاء مَسْجِد لِإِقَامَةِ الْجُمُعَة ، وَسَبَب ذَلِكَ خَشْيَة الْخُلَفَاء عَلَى أَنْفُسهمْ فِي الْمَسْجِد الْعَامّ ، وَذَلِكَ فِي سَنَة ثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ ، ثُمَّ بُنِيَ فِي أَيَّام الْمُكْتَفِي مَسْجِد فَجَمَّعُوا فِيهِ .
وَذَكَرَ اِبْن عَسَاكِر فِي مُقَدِّمَة تَارِيخ دِمَشْق أَنَّ عُمَر كَتَبَ إِلَى أَبِي مُوسَى وَإِلَى عَمْرو بْن الْعَاصِ وَإِلَى سَعْد بْن أَبِي وَقَّاص أَنْ يَتَّخِذ مَسْجِدًا جَامِعًا لِلْقَبَائِلِ فَإِذَا كَانَ يَوْم الْجُمُعَة اِنْضَمُّوا إِلَى الْمَسْجِد الْجَامِع فَشَهِدُوا الْجُمُعَة . وَقَالَ اِبْن الْمُنْذِر : لَا أَعْلَم أَحَدًا قَالَ بِتَعْدَادِ الْجُمُعَة غَيْر عَطَاءٍ . اِنْتَهَى كَلَامُ الْحَافِظِ .
قَالَ الْخَازِن فِي تَفْسِيره : وَلَا تَنْعَقِد إِلَّا فِي مَوْضِع وَاحِد مِنْ الْبَلَد ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَمَالِكٌ وَأَبُو يُوسُف . وَقَالَ أَحْمَدُ : تَصِحّ بِمَوْضِعَيْنِ إِذَا كَثُرَ النَّاسُ وَضَاقَ الْجَامِعُ . وَفِي رَحْمَة الْأُمَّة : وَالرَّاجِح مِنْ مَذْهَب الشَّافِعِيّ أَنَّ الْبَلَد إِذَا كَبُرَ وَعَسِرَ اِجْتِمَاعُ أَهْله فِي مَوْضِع وَاحِد جَازَ إِقَامَة جُمُعَة أُخْرَى ، بَلْ يَجُوز التَّعَدُّد بِحَسْب الْحَاجَة . وَقَالَ دَاوُدَ : الْجُمُعَة كَسَائِرِ الصَّلَوَات يَجُوز لِأَهْلِ الْبَلَد أَنْ يُصَلُّوهَا فِي مَسَاجِدِهِمْ . اِنْتَهَى .
وَأَنْتَ عَرَفْت أَنَّ الْجُمُعَة فِي بَلَد وَاحِد أَوْ قَرْيَة وَاحِدَة فِي عَهْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ الْخُلَفَاء لَمْ تَكُنْ تُصَلَّى إِلَّا فِي الْمَسْجِد الْجَامِع وَلَمْ يُحْفَظ عَنْ السَّلَف خِلَاف ذَلِكَ ، إِلَّا مَا رُوِيَ عَنْ عَطَاء بْن أَبِي رَبَاح وَدَاوُد إِمَام الظَّاهِرِيَّة ، وَقَوْلهمَا هَذَا خِلَاف السُّنَّة الثَّابِتَة ، فَلَا يُحْتَجُّ بِقَوْلِهِمَا . هَذَا مُلَخَّص مِنْ غَايَة الْمَقْصُود@
الصفحة 383