كتاب عون المعبود شرح سنن أبي داود (ط. المكبتة السلفية) (اسم الجزء: 3)

أَوْ سُنَّة ثَابِتَة صَحِيحَة عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ تَنْسَخهَا آيَة وَلَمْ يَثْبُت خِلَاف ذَلِكَ عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
وَاعْلَمْ أَنَّ جَمَاعَة مِنْ الْأَئِمَّة اِسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ كَعْب بْن مَالِك وَمَا ذُكِرَ مِنْ الْآثَار عَلَى اِشْتِرَاط أَرْبَعِينَ رَجُلًا فِي صَلَاة الْجُمُعَة وَقَالُوا إِنَّ الْأُمَّة أَجْمَعَتْ عَلَى اِشْتِرَاط الْعَدَد وَالْأَصْل الظُّهْر فَلَا تَصْلُح الْجُمُعَة إِلَّا بِعَدَدٍ ثَابِت بِدَلِيلٍ ، وَقَدْ ثَبَتَ جَوَازهَا بِأَرْبَعِينَ فَلَا يَجُوز بِأَقَلّ مِنْهُ إِلَّا بِدَلِيلٍ صَحِيح ، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي " قَالُوا وَلَمْ تَثْبُت صَلَاته لَهَا بِأَقَلّ مِنْ أَرْبَعِينَ .
وَأُجِيبَ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّهُ لَا دَلَالَة فِي الْحَدِيث عَلَى اِشْتِرَاط الْأَرْبَعِينَ لِأَنَّ هَذِهِ وَاقِعَة عَيْن وَذَلِكَ أَنَّ الْجُمُعَة فُرِضَتْ عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ بِمَكَّة قَبْل الْهِجْرَة كَمَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ عَنْ اِبْن عَبَّاس فَلَمْ يَتَمَكَّن مِنْ إِقَامَتهَا هُنَالِكَ مِنْ أَجْل الْكُفَّار ، فَلَمَّا هَاجَرَ مَنْ هَاجَرَ مِنْ أَصْحَابه إِلَى الْمَدِينَة كَتَبَ إِلَيْهِمْ يَأْمُرهُمْ أَنْ يُجَمِّعُوا فَجَمَّعُوا وَاتَّفَقَ أَنَّ عِدَّتهمْ إِذًا كَانَتْ أَرْبَعِينَ ، وَلَيْسَ فِيهِ مَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ مَنْ دُون الْأَرْبَعِينَ لَا تَنْعَقِد بِهِمْ الْجُمُعَة . وَقَدْ تَقَرَّرَ أَنَّ وَقَائِع الْأَعْيَان لَا يُحْتَجّ بِهَا عَلَى الْعُمُوم . وَرَوَى عَبْدُ بْن حُمَيْدٍ وَعَبْد الرَّزَّاق عَنْ مُحَمَّد بْن سِيرِينَ قَالَ جَمَّعَ أَهْل الْمَدِينَة قَبْل أَنْ يَقْدُم النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَبْل أَنْ تَنْزِل الْجُمُعَة . قَالَتْ الْأَنْصَار لِلْيَهُودِ يَوْمٌ يُجَمِّعُونَ فِيهِ كُلّ أُسْبُوع وَلِلنَّصَارَى مِثْل ذَلِكَ فَهَلُمَّ فَلْنَجْعَلْ يَوْمًا نُجَمِّع فِيهِ فَنَذْكُر اللَّه تَعَالَى وَنَشْكُرهُ فَجَعَلُوهُ يَوْم الْعَرُوبَة وَاجْتَمَعُوا إِلَى أَسْعَد بْن زُرَارَة فَصَلَّى بِهِمْ يَوْمَئِذٍ رَكْعَتَيْنِ وَذَكَّرَهُمْ فَسَمَّوْا الْجُمُعَة حِين اِجْتَمَعُوا إِلَيْهِ فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى فِي ذَلِكَ بَعْد { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ } الْآيَة قَالَ الْحَافِظ فِي التَّلْخِيص وَرِجَاله ثِقَات إِلَّا أَنَّهُ مُرْسَل .
وَقَوْلهمْ لَمْ يَثْبُت أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى الْجُمُعَة بِأَقَلّ مِنْ أَرْبَعِينَ يَرُدُّهُ @

الصفحة 404