كتاب عون المعبود شرح سنن أبي داود (ط. المكبتة السلفية) (اسم الجزء: 3)
جُعِلَت نَكَالًا لِمَا مَضَى مِنْ الذُّنُوب وَلِمَا تُعْمَل بَعْدهَا وَيُقَال بَيْن يَدَيْك كَذَا لِكُلِّ شَيْء أَمَامك ، قَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ { مِنْ بَيْن أَيْدِيهمْ وَمِنْ خَلْفهمْ } وَقَالَ الزَّجَّاج فِي قَوْله تَعَالَى { وَلَا بِاَلَّذِي بَيْن يَدَيْهِ } أَرَادَ بِاَلَّذِي بَيْن يَدَيْهِ الْكُتُب الْمُتَقَدِّمَة . اِنْتَهَى . وَقَالَ الْخَفَاجِيّ فِي عِنَايَة الرَّاضِي : وَقِيلَ الَّذِي بَيْن يَدَيْهِ يَوْم الْقِيَامَة ، فَيَكُون بَيْن يَدَيْهِ عِبَارَة عَنْ الْمُسْتَقْبَل ، فَإِنَّهُ يُرَاد بِهِ مَا مَضَى وَقَدْ يُرَاد بِهِ مَا سَيَأْتِي . اِنْتَهَى . وَقَالَ الْجَوْهَرِيّ : يُقَال إِنَّ بَيْن يَدَيْ السَّاعَة أَهْوَالًا ، أَيْ قُدَّامهَا . اِنْتَهَى . وَهَكَذَا فِي الْقَامُوسِ . وَفِي تَفْسِير لُبَاب التَّأْوِيل لِلْخَازِنِ : لِمَا بَيْن يَدَيْهِ مِنْ مَجَاز الْكَلَام ، وَذَلِكَ أَمَّا مَا بَيْن يَدَيْهِ فَهُوَ أَمَامه ، فَقِيلَ لِكُلِّ شَيْء تَقَدَّمَ عَلَى الشَّيْء هُوَ بَيْن يَدَيْهِ لِغَايَةِ ظُهُوره وَاشْتِهَاره .
قَالَ أَبُو بَكْر بْن الْأَنْبَارِيّ : الْيَدَانِ تَسْتَعْمِلهُمَا الْعَرَب فِي الْمَجَاز عَلَى مَعْنَى التَّقْدِمَة ، تَقُول هَذِهِ تَكُون فِي الْفِتَن بَيْن يَدَيْ السَّاعَة ، يُرِيدُونَ قَبْل أَنْ تَقُوم السَّاعَة ، تَشْبِيهًا وَتَمْثِيلًا بِمَا إِذَا كَانَتْ يَدَا الْإِنْسَان تَتَقَدَّمَانِهِ . اِنْتَهَى . قَالَ فِي الْمَدَارِك { مَا بَيْن أَيْدِينَا } أَيْ لَهُ مَا قُدَّامنَا . وَقَالَ فِي الْجَلَالَيْنِ { مَا بَيْنَ أَيْدِينَا } أَيْ أَمَامنَا . وَهَذَا الْحَدِيث أَخْرَجَهُ أَيْضًا الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن إِسْحَاق بِلَفْظِ " إِنَّ بِلَالًا كَانَ يُؤَذِّنُ عَلَى بَاب الْمَسْجِد " . وَالْحَاصِل أَنَّ بَيْن يَدَيْهِ يُسْتَعْمَل لِكُلِّ شَيْء يَكُون قُدَّامه وَأَمَامه ، سَوَاء كَانَ قَرِيبه أَوْ بَعِيده . وَالْمَعْنَى أَنَّ بِلَالًا كَانَ يُؤَذِّن قُدَّام النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَمَامه إِذَا جَلَسَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْمِنْبَر يَوْم الْجُمُعَة ، لَكِنْ لَا يُؤَذِّن قُدَّامه عِنْد الْمِنْبَر مُتَّصِلًا بِهِ كَمَا هُوَ الْمُتَعَارَف الْآن فِي أَكْثَر بِلَاد الْهِنْد إِلَّا مَا عَصَمَهُ اللَّه تَعَالَى ، لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ مَوْضِع الْأَذَان وَتَفُوت مِنْهُ فَائِدَة الْأَذَان ، بَلْ كَانَ يُؤَذِّن
( عَلَى بَاب الْمَسْجِد )
: وَهَذَا كَالتَّفْسِيرِ لِمَا بَيْن يَدَيْ ، لِأَنَّ بَيْن يَدَيْ بِمَعْنَى قُدَّام وَأَمَام وَهُمَا ظَرْفَانِ مُبْهَمَانِ . قَالَ فِي الْقَامُوس : قُدَّام كَزُنَّارِ ضِدُّ الْوَرَاء وَالْأَمَام نَقِيض الْوَرَاء ، كَقُدَّام يَكُون اِسْمًا@
الصفحة 432