كتاب عون المعبود شرح سنن أبي داود (ط. المكبتة السلفية) (اسم الجزء: 3)

وَلَا يَحْصُل بِهِ مَقْصُودهَا مَعَ مُخَالَفَته مَا ثَبَتَ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَالَهُ النَّوَوِيُّ . قُلْت : وَقَوْله يُذَكِّر النَّاس ، فِيهِ دَلِيل صَرِيح عَلَى أَنَّ الْخُطْبَة وَعْظ وَتَذْكِير لِلنَّاسِ وَأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعَلِّم أَصْحَابه فِي خُطْبَته قَوَاعِد الْإِسْلَام وَشَرَائِعه وَيَأْمُرهُمْ وَيَنْهَاهُمْ فِي خُطْبَته إِذَا عَرَضَ لَهُ أَمْر أَوْ نَهْي كَمَا أَمَرَ الدَّاخِل وَهُوَ يَخْطُب أَنْ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ ، وَنَهَى الْمُتَخَطِّي رِقَاب النَّاس عَنْ ذَلِكَ وَأَمَرَهُ بِالْجُلُوسِ ، وَكَانَ يَدْعُو الرَّجُل فِي خُطْبَته تَعَالَ اِجْلِسْ يَا فُلَان ، وَكَانَ يَأْمُرهُمْ بِمُقْتَضَى الْحَال فِي خُطْبَته فَلَا بُدّ لِلْخَطِيبِ أَنْ يَقْرَأ الْقُرْآن وَيَعِظ بِهِ وَيَأْمُر وَيَنْهَى وَيُبَيِّن الْأَحْكَام الْمُحْتَاج إِلَيْهَا ، فَإِنْ كَانَ السَّامِعُونَ أَعَاجِم يُتَرْجِم بِلِسَانِهِمْ فَإِنَّ أَثَر التَّذْكِير وَالْوَعْظ فِي غَيْر بِلَاد الْعَرَب لَا يَحْصُل وَلَا يُفِيد إِلَّا بِالتَّرْجَمَةِ بِلِسَانِهِمْ . وَحَدِيث جَابِر هَذَا هُوَ أَدَلُّ دَلِيلٍ عَلَى جَوَاز ذَلِكَ . وَقَالَ اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى { وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُول إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمه لِيُبَيِّنَ لَهُمْ } الْآيَةَ . قَالَ فِي جَامِع الْبَيَان : أَيْ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ مَا أُمِرُوا بِهِ فَيَفْهَمُوهُ بِلَا كُلْفَةٍ . وَرَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِنْ بُعِثَ إِلَى الْأَحْمَر وَالْأَسْوَد بِصَرَائِح الدَّلَائِل لَكِنَّ الْأَوْلَى أَنْ يَكُون بِلُغَةِ مَنْ هُوَ فِيهِمْ حَتَّى يَفْهَمُوا ثُمَّ يَنْقُلُوهُ وَيُتَرْجِمُوهُ اِنْتَهَى . فَإِنْ قُلْت : إِنْ كَانَتْ التَّرْجَمَة تَجُوز فِي الْخُطْبَة فَتَجُوز قِرَاءَة تَرْجَمَة الْقُرْآن أَيْضًا فِي الصَّلَاة فَإِنْ صَلَّى وَاحِد وَقَرَأَ تَرْجَمَة سُورَة الْفَاتِحَة مَثَلًا مَكَان الْفَاتِحَة ، صَحَّتْ صَلَاتُهُ . قُلْت : كَلَّا وَلَا يَجُوز ذَلِكَ فِي الصَّلَاة قَطُّ . وَالْقِيَاس عَلَى الْخُطْبَة قِيَاسٌ مَعَ الْفَارِق ، لِأَنَّ الْخُطْبَة لَيْسَ فِيهَا أَلْفَاظ مَخْصُوصَة وَأَذْكَار مُعَيَّنَة ، بَلْ إِنَّمَا هِيَ التَّذْكِير كَمَا تَقَدَّمَ ، وَالصَّلَاة لَيْسَتْ بِتَذْكِيرٍ بَلْ إِنَّمَا هِيَ ذِكْر وَبَيْن التَّذْكِير وَالذِّكْر فَرْق عَظِيم ، وَلَا بُدّ فِي الصَّلَاة قِرَاءَة الْقُرْآن لِلْإِمَامِ وَالْمَأْمُوم وَالْمُنْفَرِد لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْ الْقُرْآن } فَلَفْظ اِقْرَءُوا صِيغَة أَمْر يَدُلّ عَلَى@

الصفحة 444

Back to Main
Last Page
Next Page
Previous Page
First Page
Download as PDF
Show as text