كتاب عون المعبود شرح سنن أبي داود (ط. المكبتة السلفية) (اسم الجزء: 5)

إِلَّا بِدَلِيلٍ عَلَيْهَا بَلْ الدَّلِيل قَائِم عَلَى خِلَافهَا وَهُوَ مَا ثَبَتَ مِنْ حَدِيث عَائِشَة " كُنَّا نَنْضَح وُجُوهنَا بِالطِّيبِ الْمِسْك قَبْل أَنْ نُحْرِم فَنَعْرَق فَنَغْسِل وُجُوهنَا وَنَحْنُ مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآله وَسَلَّمَ فَلَا يَنْهَانَا " رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَأَحْمَد بِلَفْظِ : " كُنَّا نَخْرُج مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآله وَسَلَّمَ إِلَى مَكَّة فَنُضَمِّخ جِبَاهنَا بِالْمِسْكِ الطِّيب عِنْد الْإِحْرَام فَإِذَا عَرِقَتْ إِحْدَانَا سَالَ عَلَى وَجْههَا فَيَرَاهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآله وَسَلَّمَ فَلَا يَنْهَانَا " وَلَا يُقَال هَذَا خَاصّ بِالنِّسَاءِ لِأَنَّ الرِّجَال وَالنِّسَاء فِي الطِّيب سَوَاء بِالْإِجْمَاعِ ، وَالطِّيب يَحْرُم بَعْد الْإِحْرَام لَا قَبْله وَإِنْ دَامَ حَاله فَإِنَّهُ كَالنِّكَاحِ لِأَنَّهُ مِنْ دَوَاعِيه وَالنِّكَاح إِنَّمَا يَمْنَع الْمُحْرِم مِنْ اِبْتِدَائِهِ لَا مِنْ اِسْتِدَامَته فَكَذَلِكَ الطِّيب ، وَلِأَنَّ الطِّيب مِنْ النَّظَافَة مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ يُقْصَد بِهِ دَفْع الرَّائِحَة الْكَرِيهَة كَمَا قُصِدَ بِالنَّظَافَةِ إِزَالَة مَا يَجْمَعهُ الشَّعْر وَالظُّفْر مِنْ الْوَسَخ ، وَلِذَا اُسْتُحِبَّ أَنْ يَأْخُذ قَبْل الْإِحْرَام مِنْ شَعْره وَأَظْفَاره لِكَوْنِهِ مَمْنُوعًا مِنْهُ بَعْد الْإِحْرَام وَإِنْ بَقِيَ أَثَره بَعْده .
أَمَّا حَدِيث مُسْلِم فِي الرَّجُل الَّذِي جَاءَ يَسْأَل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآله وَسَلَّمَ كَيْف يَصْنَع فِي عُمْرَته وَكَذَا الرَّجُل قَدْ أَحْرَمَ وَهُوَ مُتَضَمِّخ بِالطِّيبِ فَقَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآله وَسَلَّمَ : " أَمَّا الطِّيب الَّذِي بِك فَاغْسِلْهُ ثَلَاث مَرَّات " الْحَدِيث أُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّ هَذَا السُّؤَال وَالْجَوَاب كَانَا بِالْجِعِرَّانَةِ فِي ذِي الْقِعْدَة سَنَة ثَمَانٍ وَقَدْ حَجّ صَلَّى اُلْهُ عَلَيْهِ وَآله وَسَلَّمَ سَنَة عَشْر وَاسْتَدَامَ الطِّيب قَائِمًا يُؤْخَذ بِالْآخِرِ مِنْ أَمْر رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآله وَسَلَّمَ لِأَنَّهُ يَكُون نَاسِخًا لِلْأَوَّلِ اِنْتَهَى .
قَالَ الْمُنْذِرِيّ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ وَمُسْلِم وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْن مَاجَهْ .@

الصفحة 170