كتاب حاشية ابن القيم على سنن أبي داود (ط. المكبتة السلفية) (اسم الجزء: 5)

في أشهر الحج وبقوله لهم عند الإحرام من شاء أن يهل بعمرة فليهل على جواز العمرة في أشهر الحج فهم أحرى أن يكتفوا بالأمر بالفسخ في العلم بجواز العمرة في أشهر الحج فإنه إذا لم يحصل لهم العلم بالجواز بقوله وفعله فكيف يحصل بأمره لهم بالنسخ
الحادي عشر أن ابن عباس الذي روى أنهم كانوا يرون العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور وأن النبي أمرهم لما قدموا بالفسخ هو كان يرى وجوب الفسخ ولا بد بل كان يقول كل من طاف بالبيت فقد حل من إحرامه ما لم يكن معه هدي وابن عباس أعلم بذلك فلو كان النبي إنما أمرهم بالفسخ للإعلام بجواز العمرة لم يخف ذلك على ابن عباس ولم يقل إن كل من طاف بالبيت من قارن أو حاج لا هدي معه فقد حل
الثاني عشر أنه لا يظن بالصحابة الذين هم أصح الناس أذهانا وأفهاما وأطوعهم لله ولرسوله أنهم لم يفهموا جواز العمرة في أشهر الحج وقد عملوها مع رسول الله ثلاثة أعوام وأذن لهم فيها ثم فهموا ذلك من الأمر بالفسخ
الثالث عشر أن النبي إما أن يكون أمرهم بالفسخ لأن التمتع أفضل فأمرهم بالفسخ إلى أفضل الأنساك أو يكون أمرهم به ليكون نسكهم مخالفا للمشركين في التمتع في أشهر الحج وعلى التقديرين فهو مشروع غير منسوخ إلى الأبد
أما الأول الظاهر وأما الثاني فلأن الشريعة قد استقرت ولا سيما في المناسك على قصد مخالفة المشركين فالنسك المشتمل على مخالفتهم أفضل بلا ريب وهذا واضح
الرابع عشر أن السائل للنبي عمرتنا هذه لعامنا أم للأبد لم يرد به أنها هل تجزىء عن تلك السنة فقط أو عن العمر كله فإنه لو كان مراده ذلك لسأل عن الحج الذي هو فرض الإسلام ومن المعلوم أن العمرة إن كانت واجبة لم تجب في العمر إلا مرة واحدة ولأنه لو أراد ذلك لم يقل له النبي بل لأبد الأبد فإن أبد الأبد إنما يكون في حق الأمة قوما يعرفون إلى يوم

الصفحة 211