كتاب حاشية ابن القيم على سنن أبي داود (ط. المكبتة السلفية) (اسم الجزء: 5)

فأطلق الإذن في لبس الخفين ولم يشترط القطع وهذا كان بعرفات والحاضرون معه إذ ذاك أكثرهم لم يشهدوا خطبته بالمدينة فإنه كان معه من أهل مكة واليمن والبوادي من لا يحصيهم إلا الله تعالى وتأخير البيان عن وقت الحاجة ممتنع
وفي صحيح مسلم عن جابر قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم من لم يجد نعلين فليلبس خفين ومن لم يجد إزارا فليلبس سراويل فهذا كلام مبتدأ من النبي صلى الله عليه و سلم بين فيه في عرفات في أعظم جمع كان له أن من لم يجد الإزار فليلبس السروايل ومن لم يجد النعلين فليلبس الخفين ولم يأمر بقطع ولا فتق وأكثر الحاضرين بعرفات لم يسمعوا خطبته بالمدينة ولا سمعوه يأمر بقطع الخفين وتأخير البيان عن وقته ممتنع
فدل هذا على أن هذا الجواز لم يكن شرع بالمدينة وأن الذي شرع بالمدينة هو لبس الخف المقطوع ثم شرع بعرفات لبس الخف من غير قطع
فإن قيل فحديث بن عمر مقيد وحديث ابن عباس مطلق والحكم والسبب واحد وفي مثل هذا يتعين حمل المطلق على المقيد وقد أمر في حديث ابن عمر بالقطع
فالجواب من وجهين أحدهما أن قوله في حديث ابن عمر وليقطعهما قد قيل إنه مدرج من كلام نافع
قال صاحب المغني كذلك روي في أمالي أبي القاسم بن بشران بإسناد صحيح أن نافعا قال بعد روايته للحديث وليقطع الخفين أسفل من الكعبين والإدراج فيه محتمل لأن الجملة الثانية يستقل الكلام الأول بدونها فالإدراج فيه ممكن فإذا جاء مصرحا به أن نافعا قاله زال الإشكال
ويدل على صحة هذا أن ابن عمر كان يفتي بقطعهما للنساء فأخبرته صفية بنت أبي عبيد عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه و سلم رخص للمحرم أن يلبس الخفين ولا يقطعهما قالت صفية فلما أخبرته بهذا رجع
الجواب الثاني أن الأمر بالقطع كان بالمدينة ورسول الله صلى الله عليه و سلم يخطب على المنبر فناداه رجل فقال ما يلبس المحرم من الثياب فأجابه بذلك وفيه الأمر بالقطع وحديث ابن عباس وجابر بعده
وعمرو بن دينار روى الحديثين معا

الصفحة 279