كتاب عون المعبود شرح سنن أبي داود (ط. المكبتة السلفية) (اسم الجزء: 5)

مِنْ السَّلَام وَهِيَ الْحِجَارَة وَاحِدَتهَا سَلِمَة بِكَسْرِ اللَّام يُقَال اِسْتَلَمْت الْحَجَر إِذَا لَمَسْته كَمَا يُقَال اِكْتَحَلْت مِنْ الْكُحْل . وَقَالَ غَيْره : الِاسْتِلَام أَنْ يُحَيِّي نَفْسه عَنْ الْحَجَر بِالسَّلَامِ لِأَنَّ الْحَجَر لَا يُحَيِّيه كَمَا يُقَال اِخْتَدَمَ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ خَادِم فَخَدَمَ نَفْسه . وَقَالَ اِبْن الْأَعْرَابِيّ هُوَ مَهْمُوز الْأَصْل تُرِكَ هَمْزه مَأْخُوذ مِنْ السَّلَام وَهِيَ الْحَجَر كَمَا يُقَال اِسْتَنْوَقَ الْجَمَل وَبَعْضهمْ يَهْمِزهُ اِنْتَهَى .
1597 -
قَالَ صَاحِبُ عَوْنِ الْمَعْبُودِ :
( جَاءَ إِلَى الْحَجَر فَقَبَّلَهُ )
: قَالَ الْخَطَّابِيُّ : فِيهِ مِنْ الْفِقْه أَنَّ مُتَابَعَة السُّنَن وَاجِبَة وَلَمْ يُوقَف [ يَقِف ] لَهَا عَلَى عِلَل مَعْلُومَة وَأَسْبَاب مَعْقُولَة وَأَنَّ أَعْيَانهَا حُجَّة عَلَى مَنْ بَلَغَتْهُ وَإِنْ لَمْ يَفْقَه مَعَانِيهَا ، إِلَّا أَنَّهُ مَعْلُومًا فِي الْجُمْلَة أَنَّ تَقْبِيله الْحَجَر إِنَّمَا هُوَ إِكْرَام لَهُ وَإِعْظَام لِحَقِّهِ وَتَبَرُّك بِهِ ، وَقَدْ فَضَّلَ بَعْض الْأَحْجَار عَلَى بَعْض كَمَا فَضَّلَ بَعْض الْبِقَاع وَالْبُلْدَان وَكَمَا فَضَّلَ بَعْض اللَّيَالِي وَالْأَيَّام وَالشُّهُور ، وَبَاب هَذَا كُلّه التَّسْلِيم وَهُوَ أَمْر شَائِع فِي الْعُقُول جَائِز فِيهَا غَيْر مُمْتَنِع وَلَا مُسْتَنْكَر . وَقَدْ رُوِيَ فِي بَعْض الْأَحَادِيث أَنَّ الْحَجَر يَمِين اللَّه فِي الْأَرْض . وَالْمَعْنَى أَنَّ مَنْ صَافَحَهُ فِي الْأَرْض كَانَ لَهُ عِنْد اللَّه تَعَالَى عَهْد ، فَكَانَ كَالْعَهْدِ يَعْقِدهُ الْمَمْلُوك بِالْمُصَافَحَةِ لِمَنْ يُرِيد مِنْ الْأُمَّة وَالِاخْتِصَاص بِهِ وَكَمَا يُصَفَّق عَلَى أَيْدِي الْمُلُوك لِلْبَيْعَةِ ، وَكَذَلِكَ تَقْبِيل الْيَد مِنْ الْخَدَم لِلسَّادَةِ وَالْكُبَرَاء فَهَذَا كَالتَّمْثِيلِ بِذَلِكَ وَالتَّشْبِيه اِنْتَهَى .@

الصفحة 325