كتاب عون المعبود شرح سنن أبي داود (ط. المكبتة السلفية) (اسم الجزء: 5)

1615 -
قَالَ صَاحِبُ عَوْنِ الْمَعْبُودِ :
( رَمَلَ مِنْ الْحَجَر )
: أَيْ الْأَسْوَد
( إِلَى الْحَجَر )
: فِيهِ دَلِيل عَلَى أَنَّهُ يَرْمُل فِي ثَلَاثَة أَشْوَاط كَامِلَة . قَالَ فِي الْفَتْح : وَلَا يُشْرَع تَدَارُك الرَّمَل فَلَوْ تَرَكَهُ فِي الثَّلَاثَة لَمْ يَقْضِهِ فِي الْأَرْبَعَة لِأَنَّ هَيْئَتهَا السَّكِينَة وَلَا تَتَغَيَّر ، وَيَخْتَصّ بِالرِّجَالِ فَلَا رَمَل عَلَى النِّسَاء ، وَيَخْتَصّ بِطَوَافٍ يَتَعَقَّبهُ سَعْي عَلَى الْمَشْهُور وَلَا فَرْق فِي اِسْتِحْبَابه بَيْن مَاشٍ وَرَاكِب وَلَا دَم بِتَرْكِهِ عِنْد الْجُمْهُور . وَاخْتَلَفَ فِي ذَلِكَ الْمَالِكِيَّة ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِك أَنَّ عَلَيْهِ دَمًا . قَالَ النَّوَوِيّ : فِيهِ بَيَان أَنَّ الرَّمَل يُشْرَع فِي جَمِيع الْمَطَاف مِنْ الْحَجَر إِلَى الْحَجَر . وَأَمَّا حَدِيث اِبْن عَبَّاس الْمُتَقَدِّم قَالَ أَمَرَهُمْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَرْمُلُوا ثَلَاثَة أَشْوَاط وَيَمْشُوا مَا بَيْن الرُّكْنَيْنِ فَمَنْسُوخ بِحَدِيثِ اِبْن عُمَر هَذَا ، لِأَنَّ حَدِيث اِبْن عَبَّاس كَانَ فِي عُمْرَة الْقَضَاء سَنَة سَبْع قَبْل فَتْح مَكَّة وَكَانَ فِي الْمُسْلِمِينَ ضَعْف فِي أَبْدَانهمْ وَإِنَّمَا رَمَلُوا إِظْهَارًا لِلْقُوَّةِ وَاحْتَاجُوا إِلَى ذَلِكَ فِي غَيْر مَا بَيْن الرُّكْنَيْنِ الْيَمَانِيَّيْنِ لِأَنَّ الْمُشْرِكِينَ كَانُوا جُلُوسًا فِي الْحِجْر وَكَانُوا لَا يَرَوْنَهُمْ بَيْن هَذَيْنِ الرُّكْنَيْنِ وَيَرَوْنَهُمْ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ ، فَلَمَّا حَجَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَجَّة الْوَدَاع سَنَة عَشْر رَمَلَ مِنْ الْحَجَر إِلَى الْحَجَر فَوَجَبَ الْأَخْذ بِهَذَا التَّأَخُّر اِنْتَهَى .
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ مُسْلِم وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْن مَاجَهْ بِنَحْوِهِ مِنْ حَدِيث جَابِر عَنْ عَبْد اللَّه رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ أَنْ يَمْشُوا بَيْن الرُّكْنَيْنِ وَلَا مُعَارَضَة بَيْن الْحَدِيثَيْنِ فَإِنَّهُمَا قَضِيَّتَانِ ، فَالرَّمَل فِي جَمِيع الْأَشْوَاط الثَّلَاثَة كَانَ فِي حَجَّة الْوَدَاع وَالْمَشْي بَيْن الرُّكْنَيْنِ كَانَ فِي عُمْرَة الْحُدَيْبِيَة لِأَنَّهُمْ إِذَا كَانُوا بَيْن الرُّكْنَيْنِ لَا تَقَع عَلَيْهِمْ أَعْيُن الْمُشْرِكِينَ وَفَعَلَ ذَلِكَ رِفْقًا بِهِمْ لِمَا كَانَ@

الصفحة 343