كتاب عون المعبود شرح سنن أبي داود (ط. المكبتة السلفية) (اسم الجزء: 6)

فَإِنْ قُلْت : قَدْ ثَبَتَ مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس أَنَّ الصَّحَابَة كُلّهمْ قَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الثَّلَاث وَاحِدَة فَكَيْفَ خَالَفَهُمْ عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ حَيْثُ أَمْضَاهَا عَلَيْهِمْ .
قُلْت : لَمْ يُخَالِف عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ إِجْمَاع مَنْ تَقَدَّمَهُ بَلْ رَأَى إِلْزَامهمْ بِالثَّلَاثِ عُقُوبَة لَهُمْ لَمَّا عَلِمُوا أَنَّهُ حَرَام وَتَتَابَعُوا فِيهِ ، وَلَا رَيْب أَنَّ هَذَا سَائِغ لِلْأُمَّةِ أَنْ يُلْزِمُوا النَّاس مَا ضَيَّقُوا بِهِ عَلَى أَنْفُسهمْ وَلَمْ يَقْبَلُوا فِيهِ رُخْصَة اللَّه عَزَّ وَجَلَّ وَتَسْهِيله وَرُخْصَته ، بَلْ اِخْتَارُوا الشِّدَّة وَالْعُسْر ، فَكَيْفَ بِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُمَر بْن الْخَطَّاب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ وَكَمَال نَظَره لِلْأُمَّةِ وَتَأْدِيبه لَهُمْ ، وَلَكِنَّ الْعُقُوبَة تَخْتَلِف بِاخْتِلَافِ الْأَزْمِنَة وَالْأَشْخَاص وَالتَّمَكُّن مِنْ الْعِلْم بِتَحْرِيمِ الْفِعْل الْمُعَاقَب عَلَيْهِ وَخَفَائِهِ ، وَأَمِير الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ لَمْ يَقُلْ لَهُمْ إِنَّ هَذَا عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِنَّمَا هُوَ رَأْي رَآهُ مَصْلَحَة لِلْأُمَّةِ يَكُفّهُمْ بِهَا التَّسَارُع إِلَى إِيقَاع الثَّلَاث ، وَلِهَذَا قَالَ فَلَوْ أَنَّا أَمْضَيْنَاهُ ، وَفِي لَفْظ آخَر فَأَجِيزُوهُنَّ عَلَيْهِمْ أَفَلَا تَرَى أَنَّ هَذَا رَأْي مِنْهُ رَآهُ لِلْمَصْلَحَةِ لَا إِخْبَار عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلَمَّا عَلِمَ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ أَنَّ تِلْكَ الْأَنَاة وَالرُّخْصَة نِعْمَة مِنْ اللَّه عَلَى الْمُطَلِّق وَرَحْمَة بِهِ وَإِحْسَان إِلَيْهِ وَأَنَّهُ قَابَلَهَا بِضِدِّهَا وَلَمْ يَقْبَل رُخْصَة اللَّه وَمَا جَعَلَهُ لَهُ مِنْ الْأَنَاة عَاقَبَهُ@

الصفحة 282