كتاب عون المعبود شرح سنن أبي داود (ط. المكبتة السلفية) (اسم الجزء: 7)

لَهُ إِنْ شَاءَ اللَّه وَقَدْ قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " صِيَام يَوْم عَرَفَة يُكَفِّر سَنَتَيْنِ سَنَة قَبْلهَا وَسَنَة بَعْدهَا " .
وَقَدْ اِخْتَلَفَ النَّاس فِي صِيَام الْحَاجّ يَوْم عَرَفَة ، فَرُوِيَ عَنْ عُثْمَان بْن أَبِي الْعَاصِ وَابْن الزُّبَيْر أَنَّهُمَا كَانَا يَصُومَانِهِ . وَقَالَ أَحْمَد بْن حَنْبَل : إِنْ قَدَرَ عَلَى أَنْ يَصُوم صَامَ ، وَإِنْ أَفْطَرَ فَذَلِكَ يَوْم يُحْتَاج فِيهِ إِلَى قُوَّة . وَكَانَ إِسْحَاق يَسْتَحِبّ صَوْمه لِلْحَاجِّ . وَكَانَ عَطَاء يَقُول أَصُوم فِي الشِّتَاء وَلَا أَصُوم فِي الصَّيْف . وَكَانَ مَالِك وَسُفْيَان الثَّوْرِيّ يَخْتَارَانِ الْإِفْطَار لِلْحَاجِّ وَكَذَلِكَ الشَّافِعِيّ .
وَرُوِيَ عَنْ اِبْن عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا أَنَّهُ قَالَ لَمْ يَصُمْهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا أَبُو بَكْر وَلَا عُمَر وَلَا عُثْمَان وَلَا أَصُومهُ أَنَا . اِنْتَهَى . قَالَ الشَّوْكَانِيُّ : وَاعْلَمْ أَنَّ ظَاهِر حَدِيث أَبِي قَتَادَةَ عِنْد مُسْلِم وَأَصْحَاب السُّنَن مَرْفُوعًا " صَوْم يَوْم عَرَفَة يُكَفِّر سَنَتَيْنِ مَاضِيَة وَمُسْتَقْبَلَة " الْحَدِيث أَنَّهُ يُسْتَحَبّ صَوْم يَوْم عَرَفَة مُطْلَقًا ، وَظَاهِر حَدِيث عُقْبَة بْن عَامِر عِنْد أَهْل السُّنَن غَيْر اِبْن مَاجَهْ " يَوْم عَرَفَة وَيَوْم النَّحْر وَأَيَّام التَّشْرِيق عِيدنَا أَهْل الْإِسْلَام " الْحَدِيث أَنَّهُ يُكْرَه صَوْمه مُطْلَقًا ، لِجَعْلِهِ قَرِيبًا فِي الذِّكْر لِيَوْمِ النَّحْر وَأَيَّام التَّشْرِيق ، وَتَعْلِيل ذَلِكَ أَنَّهَا عِيد وَأَنَّهَا أَيَّام أَكْل وَشُرْب .
وَظَاهِر حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة أَنَّهُ لَا يَجُوز صَوْمه بِعَرَفَاتٍ ، فَيُجْمَع بَيْن الْأَحَادِيث بِأَنَّ صَوْم هَذَا الْيَوْم مُسْتَحَبّ لِكُلِّ أَحَد مَكْرُوه لِمَنْ كَانَ بِعَرَفَاتٍ حَاجًّا . وَالْحِكْمَة فِي ذَلِكَ أَنَّهُ رُبَّمَا كَانَ مُؤَدِّيًا إِلَى الضَّعْف عَنْ الدُّعَاء وَالذِّكْر يَوْم عَرَفَة هُنَالِكَ وَالْقِيَام بِأَعْمَالِ الْحَجّ . وَقِيلَ الْحِكْمَة أَنَّهُ يَوْم عِيد لِأَهْلِ الْمَوْقِف لِاجْتِمَاعِهِمْ فِيهِ ، وَيُؤَيِّدهُ حَدِيث أَبِي قَتَادَةَ . وَقِيلَ إِنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا أَفْطَرَ فِيهِ لِمُوَافَقَتِهِ يَوْم الْجُمُعَة وَقَدْ نَهَى عَنْ إِفْرَاده بِالصَّوْمِ ، وَيَرُدّ هَذَا حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة الْمُصَرِّح بِالنَّهْيِ عَنْ صَوْمه مُطْلَقًا . اِنْتَهَى .
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ @

الصفحة 105