كتاب عون المعبود شرح سنن أبي داود (ط. المكبتة السلفية) (اسم الجزء: 7)
إِحْكَام النِّيَّة وَالْعَزِيمَة ، يُقَال أَجْمَعْت الرَّأْي وَأَزْمَعْت بِمَعْنًى وَاحِد . وَفِيهِ بَيَان أَنَّ مَنْ تَأَخَّرَتْ نِيَّته لِلصَّوْمِ عَنْ أَوَّل وَقْته فَإِنَّ صَوْمه فَاسِد ، وَفِيهِ دَلِيل عَلَى أَنَّ تَقْدِيم نِيَّة الشَّهْر كُلّه فِي أَوَّل لَيْلَة مِنْهُ لَا يُجْزِئهُ عَنْ الشَّهْر كُلّه ، لِأَنَّ صِيَام كُلّ يَوْم مِنْ الشَّهْر صِيَام مُفْرَد مُتَمَيِّز عَنْ غَيْره ، فَإِذَا لَمْ يَنْوِهِ فِي الثَّانِي قَبْل فَجْره ، وَفِي الثَّالِث كَذَلِكَ لَا يُجْزِئهُ ، وَهُوَ قَوْل عُمَر بْن الْخَطَّاب وَعَبْد اللَّه بْن عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْحَسَن الْبَصْرِيّ وَالشَّافِعِيّ وَأَحْمَد بْنُ حَنْبَل .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة وَأَصْحَابه : إِذَا نَوَى لِلْفَرْضِ قَبْل زَوَال الشَّمْس أَجْزَأَهُ . وَقَالُوا فِي صَوْم النَّذْر وَالْكَفَّارَة وَالْقَضَاء إِنَّ عَلَيْهِ تَقْدِيم النِّيَّة قَبْل الْفَجْر . وَقَالَ إِسْحَاق بْن رَاهْوَيْهِ إِذَا قَدَّمَ لِلشَّهْرِ النِّيَّة أَوَّل لَيْلَة أَجْزَأَهُ لِلشَّهْرِ كُلّه ، وَإِنْ لَمْ يُجَدِّد النِّيَّة كُلّ لَيْلَة . وَقَدْ زَعَمَ بَعْضهمْ أَنَّ هَذَا الْحَدِيث غَيْر مُسْنَد لِأَنَّ سُفْيَان وَمَعْمَرًا قَدْ أَوْقَفَاهُ عَلَى حَفْصَة .
قُلْت : هَذَا لَا يَضُرّ ؛ لِأَنَّ عَبْد اللَّه بْن أَبِي بَكْر بْن عَمْرو بْن حَزْم قَدْ أَسْنَدَهُ ، وَزِيَادَات الثِّقَات مَقْبُولَة . اِنْتَهَى .
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْن مَاجَهْ . وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ : رَوَاهُ اللَّيْث وَإِسْحَاق بْن حَازِم أَيْضًا جَمِيعًا عَنْ عَبْد اللَّه بْن أَبِي بَكْر مِثْله يَعْنِي مَرْفُوعًا ، وَأَوْقَفَهُ عَلَى حَفْصَة مَعْمَر وَالزُّبَيْدِيّ وَابْن عُيَيْنَةَ وَيُونُس الْأَيْلِيُّ . وَقَالَ التِّرْمِذِيّ : لَا نَعْرِفهُ مَرْفُوعًا إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْه . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ نَافِع عَنْ اِبْن عُمَر قَوْله وَهُوَ أَصَحّ . وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : رَفَعَهُ عَبْد اللَّه بْن أَبِي بَكْر عَنْ الزُّهْرِيّ ، وَهُوَ مِنْ الثِّقَات الرُّفَعَاء .@
الصفحة 123