كتاب عون المعبود شرح سنن أبي داود (ط. المكبتة السلفية) (اسم الجزء: 7)

لِأَنَّهُمْ كَانُو خُلَاصَة الْعَسْكَر وَخِيَارهمْ مِنْ الشَّيْء السَرِيّ النَّفِيس سُمُّوا بِذَلِكَ لِأَنَّهُمْ يَنْفُذُونَ سِرًّا وَخُفْيَة .
قَالَ اِبْن رَسْلَان : وَلَعَلَّ السَّرِيَّة إِنَّمَا خُصَّتْ بِأَرْبَعِمِائَةٍ كَمَا تَقَدَّمَ عَنْ الْحَرْبِيّ ، لِأَنَّ خَيْر السَّرَايَا وَهِيَ عِدَّة أَهْل بَدْر ثَلَاثمِائَةٍ وَبِضْعَة عَشَرَ ، فَعَلَى هَذَا خَيْر السَّرَايَا مِنْ ثَلَاثمِائَةٍ إِلَى الْأَرْبَعمِائَةِ وَمِنْ أَرْبَعمِائَةٍ إِلَى خَمْسمِائَةٍ . قَالَهُ الْعَلْقَمِيّ
( وَلَنْ يُغْلَب )
: بِصِيغَةِ الْمَجْهُول أَيْ لَنْ يَصِير مَغْلُوبًا
( مِنْ قِلَّة )
: مَعْنَاهُ أَنَّهُمْ لَوْ صَارُوا مَغْلُوبِينَ لَمْ يَكُنْ لِلْقِلَّةِ بَلْ لِأَمْرٍ آخَر كَالْعُجْبِ بِكَثْرَةِ الْعَدَد وَالْعُدَد وَغَيْره . قَالَ الْعَلْقَمِيّ : أَيْ إِذَا بَلَغَ الْجَيْش اِثْنَا عَشَرَ أَلْفًا لَنْ يُغْلَب مِنْ جِهَة قِلَّة الْعَدَد . قَالَ اِبْن رَسْلَان : زَادَ أَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيّ إِذَا صَبَرُوا وَاتَّقَوْا . وَكَذَا زَادَ اِبْن عَسَاكِر .
وَزَادَ الْعَسْكَرِيّ : وَخَيْر الطَّلَائِع أَرْبَعُونَ . بَلْ يَكُون الْغَلَب مِنْ سَبَب آخَر كَالْعُجْبِ بِكَثْرَةِ الْعَدَد وَبِمَا زَيَّنَ لَهُمْ الشَّيْطَان مِنْ أَنْفُسهمْ مِنْ قُدْرَتهمْ عَلَى الْحَرْب وَشَجَاعَتهمْ وَقُوَّتهمْ وَنَحْو ذَلِكَ .
أَلَا تَرَى إِلَى وَقْعَة حُنَيْنٍ ، فَإِنَّ الْمُسْلِمِينَ كَانَ عِدَّتُهُمْ فِيهَا اِثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا أَوْ قَرِيبًا مِنْهَا فَأَعْجَبَهُمْ كَثْرَتهمْ وَاعْتَمَدُوا عَلَيْهَا وَقَالُوا لَنْ نُغْلَب الْيَوْم عَنْ قِلَّة ، فَغُلِبُوا عِنْد ذَلِكَ . وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا الْحَدِيث عَلَى أَنَّ عَدَد الْمُسْلِمِينَ إِذَا بَلَغَ اِثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا أَنَّهُ يَحْرُم الِانْصِرَاف وَإِنْ زَادَ الْكُفَّار عَلَى مِثْلَيْهِمْ . قَالَ الْقُرْطُبِيّ : وَهُوَ مَذْهَب جُمْهُور الْعُلَمَاء لِأَنَّهُمْ جَعَلُوا هَذَا مُخَصِّصًا لِلْآيَةِ الْكَرِيمَة . اِنْتَهَى كَلَام اِبْن رَسْلَان مُلَخَّصًا .
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ ، وَقَالَ : حَسَن غَرِيب لَا يُسْنِدهُ كَثِير أَحَد وَذَكَرَ أَنَّهُ رُوِيَ عَنْ الزُّهْرِيّ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُرْسَلًا .@

الصفحة 270