كتاب حاشية ابن القيم على سنن أبي داود (ط. المكبتة السلفية) (اسم الجزء: 7)
على أن الأمر بالرخصة لمن جهده الصوم وخاف على نفسه ومثل هذا يؤمر بالفطر
فعن جابر أن رسول الله صلى الله عليه و سلم مر برجل في ظل شجرة يرش عليه الماء
قال ما بال صاحبكم هذا قالوا يارسول الله صائم
قال إنه ليس من البر أن تصوموا في السفر وعليكم برخصة الله التي رخص لكم فاقبلوها رواه النسائي
قالوا وأما قول النبي صلى الله عليه و سلم أولئك العصاة فذاك في واقعة معينة أراد منهم الفطر فخالفه بعضهم فقال هذا
ففي النسائي عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر قال خرج رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى مكة عام الفتح في رمضان فصام حتى بلغ كراع الغميم فصام الناس معه فبلغه أن الناس شق عليهم الصيام فدعا بقدح من ماء بعد العصر فشرب والناس ينظرون فأفطر بعض الناس وصام بعض
فبلغه أن ناسا صاموا
فقال أولئك العصاة فالنبي صلى الله عليه و سلم إنما أفطر بعد العصر ليقتدوا به فلما لم يقتد به بعضهم قال أولئك العصاة ولم يرد بذلك تحريم الصيام مطلقا على المسافر
والدليل عليه
ما روى النسائي أيضا عن أبى هريرة قال أتى النبي صلى الله عليه و سلم بمر الظهران فقال لأبي بكر وعمر ادنيا فكلا
فقالا إنا صائمان
فقال أرحلوا لصاحبكم اعملوا لصاحبكم وأعله بالإرسال
ومر الظهران أدنى إلى مكة من كراع الغميم فإن كراع الغميم بين يدي عسفان بنحو ثمانية أميال وبين مكة وعسفان ستة وثلاثون ميلا
قالوا وأما احتجاجكم بالآية وأن الله أمر المسافر بعدة من أيام أخر فهي فرضه الذي لا يجوز غيره فاستدلال باطل قطعا
فإن الذي أنزلت عليه هذه الآية وهو أعلم الخلق بمعناها والمراد منها قد صام بعد نزولها بأعوام في السفر ومحال أن يكون المراد منها ما ذكرتم ولا يعتقده مسلم فعلم أن المراد بها غير ماذكرتم
فإما أن يكون المعنى فأفطر فعدة من أيام أخر كما قال الأكثرون أو يكون المعنى فعدة من أيام أخر تجزي عنه وتقبل منه ونحو ذلك
فما الذي أوجب تعيين التقدير بأن عليه عدة من أيام أخر أو ففرضه ونحو ذلك وبالجملة ففعل من أنزلت عليه تفسيرها وتبيين المراد منها وبالله التوفيق
وهذا موضع يغلط فيه كثير من قاصري العلم يحتجون بعموم نص على حكم ويغفلون عن عمل صاحب الشريعة وعمل أصحابه الذي يبين مراده ومن تدبر هذا علم به مراد النصوص وفهم معانيها