كتاب عون المعبود شرح سنن أبي داود (ط. المكبتة السلفية) (اسم الجزء: 8)

الْمُسْلِمِينَ . وَإِنَّمَا قُسِمَتْ عَلَى أَلْف وَثَمَانمِائَةِ سَهْم لِأَنَّهَا كَانَتْ طُعْمَة مِنْ اللَّه لِأَهْلِ الْحُدَيْبِيَة مَنْ شَهِدَ مِنْهُمْ وَمَنْ غَابَ عَنْهَا وَكَانُوا أَلْفًا وَأَرْبَعمِائَةِ ، وَكَانَ مَعَهُمْ مِائَتَا فَارِس لِكُلِّ فَرَس سَهْمَانِ ، فَقُسِمَتْ عَلَى أَلْف وَثَمَان مِائَة سَهْم ، وَلَمْ يَغِبْ عَنْ خَيْبَر مِنْ أَهْل الْحُدَيْبِيَة إِلَّا جَابِر بْن عَبْد اللَّه فَقَسَمَ لَهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَسَهْمِ مَنْ حَضَرَهَا وَقَسَمَ لِلْفَارِسِ ثَلَاثَة سِهَام وَلِلرَّاجِلِ سَهْمًا وَكَانُوا أَلْفًا وَأَرْبَعمِائَةٍ وَفِيهِمْ مِائَتَا فَارِس ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح . قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : إِنَّ خَيْبَر فَتَحَ شَطْرهَا عَنْوَة وَشَطْرهَا صُلْحًا ، فَقَسَمَ مَا فَتَحَ عَنْوَة بَيْن أَهْل الْخُمُس وَالْغَانِمِينَ وَعَزَلَ مَا فَتَحَ صُلْحًا لِنَوَائِبِهِ وَمَا يَحْتَاج إِلَيْهِ مِنْ أُمُور الْمُسْلِمِينَ اِنْتَهَى .
قَالَ اِبْن الْقَيِّم : وَهَذَا بِنَاء مِنْهُ عَلَى أَنَّ أَصْل الشَّافِعِيّ أَنَّهُ يَجِب قَسْم الْأَرْض الْمُفَتَّحَة عَنْوَة كَمَا تُقَسَّم الْغَنَائِم ، فَلَمَّا لَمْ يَجِد قَسْم الشَّطْر مِنْ خَيْبَر قَالَ إِنَّهُ فُتِحَ صُلْحًا .
وَمَنْ تَأَمَّلَ السِّيَر وَالْمَغَازِي حَقّ التَّأَمُّل تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّ خَيْبَر إِنَّمَا فُتِحَتْ عَنْوَة ، وَأَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِسْتَوْلَى عَلَى أَرْضهَا كُلّهَا بِالسَّيْفِ كُلّهَا عَنْوَة ، وَلَوْ شَيْء مِنْهَا فُتِحَ صُلْحًا لَمْ يُجْلِهِمْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهَا ، فَإِنَّهُ لَمَّا عَزَمَ عَلَى إِخْرَاجهمْ مِنْهَا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَم بِالْأَرْضِ مِنْكُمْ دَعُونَا نَكُون فِيهَا وَنَعْمُرهَا لَكُمْ بِشَطْرِ مَا يَخْرُج مِنْهَا ، وَهَذَا صَرِيح جِدًّا فِي أَنَّهَا إِنَّمَا فُتِحَتْ عَنْوَة .
وَقَدْ حَصَلَ بَيْن الْيَهُود وَالْمُسْلِمِينَ مِنْ الْحَرْب وَالْمُبَارَزَة وَالْقَتْل مِنْ الْفَرِيقَيْنِ مَا هُوَ مَعْلُوم ، وَلَكِنَّهُمْ لَمَّا أُلْجِئُوا إِلَى حِصْنهمْ نَزَلُوا عَلَى الصُّلْح الَّذِي ذُكِرَ أَنَّ لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصَّفْرَاء وَالْبَيْضَاء وَالْحَلْقَة وَالسِّلَاح ، وَلَهُمْ رِقَابهمْ وَذُرِّيَّتهمْ وَيُجْلَوْا مِنْ الْأَرْض ، فَهَذَا كَانَ الصُّلْح وَلَمْ يَقَع بَيْنهمْ صُلْح أَنَّ شَيْئًا مِنْ أَرْض خَيْبَر لِلْيَهُودِ وَلَا جَرَى ذَلِكَ الْبَتَّة ، وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَقُلْ نُقِرّكُمْ مَا شِئْنَا @

الصفحة 246

Back to Main
Last Page
Next Page
Previous Page
First Page
Download as PDF
Show as text