كتاب عون المعبود شرح سنن أبي داود (ط. المكبتة السلفية) (اسم الجزء: 8)

الْأَرْض إِذَا غُنِمَتْ الْبِلَاد أَوْ تُوقَف فَقَالَ الْكُوفِيُّونَ : الْإِمَام مُخَيَّر بَيْن قِسْمَتهَا كَمَا فَعَلَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَرْضِ خَيْبَر وَبَيْن إِيقَافهَا كَمَا فَعَلَ عُمَر بِسَوَادِ الْعِرَاق . وَقَالَ الشَّافِعِيّ : تُقْسَم الْأَرْض كُلّهَا كَمَا قَسَمَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَيْبَر لِأَنَّ الْأَرْض غَنِيمَة كَسَائِرِ أَمْوَال الْكُفَّار . وَذَهَبَ مَالِك إِلَى إِيقَافهَا اِتِّبَاعًا لِعُمَر لِأَنَّ الْأَرْض مَخْصُوصَة مِنْ سَائِر الْغَنِيمَة عَمَّا فَعَلَ عُمَر فِي جَمَاعَة مِنْ الصَّحَابَة مِنْ إِيقَافهَا لِمَنْ يَأْتِي بَعْده مِنْ الْمُسْلِمِينَ كَمَا سَيَأْتِي عَنْ عُمَر أَنَّهُ قَالَ أَلَا قَسَمْتهَا سُهْمَانًا كَمَا قَسَمَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَيْبَر سُهْمَانًا وَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ أَرْض خَيْبَر قُسِمَتْ كُلّهَا سُهْمَانًا كَمَا قَالَ اِبْن إِسْحَاق . وَأَمَّا مَنْ قَالَ إِنَّ خَيْبَر كَانَ بَعْضهَا صُلْحًا وَبَعْضهَا عَنْوَة فَقَدْ وَهِمَ وَغَلِطَ وَإِنَّمَا دَخَلَتْ عَلَيْهِمْ الشُّبْهَة بِالْحِصْنَيْنِ اللَّذَيْنِ أَسْلَمَهُمَا أَهْلهمَا وَهُمَا الْوَطِيح وَالسَّلَالِم فِي حَقْن دِمَائِهِمْ ، فَلَمَّا لَمْ يَكُنْ أَهْل ذَيْنك الْحِصْنَيْنِ مِنْ الرِّجَال وَالنِّسَاء وَالذُّرِّيَّة مَغْنُومَيْنِ ظُنَّ أَنَّ ذَلِكَ صُلْح وَلَعَمْرِي إِنَّ ذَلِكَ فِي الرِّجَال وَالنِّسَاء وَالذُّرِّيَّة كَضَرْبٍ مِنْ الصُّلْح وَلَكِنَّهُمْ لَمْ يَتْرُكُوا أَرْضهمْ إِلَّا بِالْحِصَارِ وَالْقِتَال ، فَكَانَ حُكْم أَرْضهَا حُكْم سَائِر أَرْض خَيْبَر كُلّهَا عَنْوَة غَنِيمَة مَقْسُومَة بَيْن أَهْلهَا .
وَرُبَّمَا شُبِّهَ عَلَى مَنْ قَالَ إِنَّ نِصْف خَيْبَر صُلْح وَنِصْفهَا عَنْوَة بِحَدِيثِ يَحْيَى بْن سَعِيد عَنْ بُشَيْر بْن يَسَار أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَسَمَ خَيْبَر نِصْفَيْنِ نِصْفًا لَهُ وَنِصْفًا لِلْمُسْلِمِينَ .
قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ : وَلَوْ صَحَّ هَذَا لَكَانَ مَعْنَاهُ أَنَّ النِّصْف لَهُ مَعَ سَائِر مَا وَقَعَ فِي ذَلِكَ النِّصْف مَعَهُ لِأَنَّهَا قُسِمَتْ عَلَى سِتَّة وَثَلَاثِينَ سَهْمًا فَوَقَعَ السَّهْم لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَطَائِفَة مَعَهُ فِي ثَمَانِيَة عَشَر سَهْمًا ، وَوَقَعَ سَائِر النَّاس فِي بَاقِيهَا وَكُلّهمْ مِمَّنْ شَهِدَ الْحُدَيْبِيَة ثُمَّ خَيْبَر . وَلَيْسَتْ الْحُصُون الَّتِي أَسْلَمَهَا أَهْلهَا بَعْد الْحِصَار@

الصفحة 254