كتاب عون المعبود شرح سنن أبي داود (ط. المكبتة السلفية) (اسم الجزء: 8)
وَفِي مُعْجَم الطَّبَرَانِيِّ : أَنَّ أَبْيَض قَالَ قَدْ أَقَلْته مِنْهُ عَلَى أَنْ تَجْعَلهُ مِنِّي صَدَقَة ، فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ مِنْك صَدَقَة ، فَهَذَا مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُبَالَغَة فِي مَكَارِم الْأَخْلَاق اِنْتَهَى
( عَمَّا يُحْمَى )
: عَلَى بِنَاء الْمَفْعُول
( مِنْ الْأَرَاك )
: بَيَان لِمَا هُوَ الْقِطْعَة مِنْ الْأَرْض عَلَى مَا فِي الْقَامُوس ، وَلَعَلَّ الْمُرَاد مِنْهُ الْأَرْض الَّتِي فِيهَا الْأَرَاك . قَالَ الْمُظْهِر : الْمُرَاد مِنْ الْحِمَى هُنَا الْإِحْيَاء إِذْ الْحِمَى الْمُتَعَارَف لَا يَجُوز لِأَحَدٍ أَنْ يَخُصّهُ . قَالَهُ الْقَارِي .
وَقَالَ فِي فَتْح الْوَدُود : الْأَرَاك بِالْفَتْحِ شَجَر وَالْمُرَاد أَنَّهُ سَأَلَهُ عَنْ الْأَرَاك الَّذِي يُحْمَى كَأَنَّهُ قَالَ أَيّ الْأَرَاك يَجُوز أَنْ يُحْمَى يَا رَسُول اللَّه اِنْتَهَى . وَفِي النَّيْل : وَأَصْل الْحِمَى عِنْد الْعَرَب أَنَّ الرَّئِيس مِنْهُمْ كَانَ إِذَا نَزَلَ مَنْزِلًا مُخَصَّبًا اِسْتَعْوَى كَلْبًا عَلَى مَكَان عَالٍ فَإِلَى حَيْثُ اِنْتَهَى صَوْته حَمَاهُ مِنْ كُلّ جَانِب فَلَا يَرْعَى فِيهِ غَيْره ، وَيَرْعَى هُوَ مَعَ غَيْره فِيمَا سِوَاهُ .
وَالْحِمَى هُوَ الْمَكَان الْمَحْمِيّ وَهُوَ خِلَاف الْمُبَاح ، وَمَعْنَاهُ أَنْ يَمْنَع مِنْ الْإِحْيَاء فِي ذَلِكَ الْمَوَات لِيَتَوَفَّر فِيهِ الْكَلَأ وَتَرْعَاهُ مَوَاشٍ مَخْصُوصَة وَيَمْنَع غَيْرهَا . وَأَحَادِيث الْبَاب تَدُلّ عَلَى أَنَّهُ يَجُوز لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلِمَنْ بَعْده مِنْ الْأَئِمَّة إِقْطَاع الْمَعَادِن ، وَالْمُرَاد بِالْإِقْطَاعِ جَعْل بَعْض الْأَرَاضِي الْمَوَات مُخْتَصَّة بِبَعْضِ الْأَشْخَاص سَوَاء كَانَ ذَلِكَ مَعْدِنًا أَوْ أَرْضًا فَيَصِير ذَلِكَ الْبَعْض أَوْلَى بِهِ مِنْ غَيْره ، وَلَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ يَكُون مِنْ الْمَوَات الَّتِي لَا يَخْتَصّ بِهَا أَحَد .
قَالَ اِبْن التِّين : إِنَّهُ إِنَّمَا يُسَمَّى إِقْطَاعًا إِذَا كَانَ مِنْ أَرْض أَوْ عَقَار ، وَإِنَّمَا يُقْطَع مِنْ الْفَيْء وَلَا يُقْطَع مِنْ حَقّ مُسْلِم وَلَا مُعَاهَد . وَقَدْ يَكُون الْإِقْطَاع تَمْلِيكًا وَغَيْر تَمْلِيك ، وَعَلَى الثَّانِي يُحْمَل إِقْطَاعه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الدُّور بِالْمَدِينَةِ اِنْتَهَى .@
الصفحة 317