كتاب عون المعبود شرح سنن أبي داود (ط. المكبتة السلفية) (اسم الجزء: 9)

كَانَ الزَّرْع لِلْمَالِكِ لِلْأَرْضِ وَلِلْغَاصِبِ مَا غَرِمَهُ فِي الزَّرْع يُسَلِّمهُ لَهُ مَالِك الْأَرْض قَالَ التِّرْمِذِيّ : وَالْعَمَل عَلَى هَذَا الْحَدِيث عِنْد بَعْض أَهْل الْعِلْم ، وَهُوَ قَوْل أَحْمَد وَإِسْحَاق قَالَ اِبْن رَسْلَان فِي شَرْح السُّنَن : وَقَدْ اِسْتَدَلَّ بِهِ كَمَا قَالَ التِّرْمِذِيّ أَحْمَد عَلَى أَنّ مَنْ زَرَعَ بَذْرًا فِي أَرْض غَيْره وَاسْتَرْجَعَهَا صَاحِبهَا فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَسْتَرْجِعهَا مَالِكهَا وَيَأْخُذهَا بَعْد حَصَاد الزَّرْع ، أَوْ يَسْتَرْجِعهَا وَالزَّرْع قَائِم قَبْل أَنْ يَحْصُد ، فَإِنْ أَخَذَهَا مُسْتَحِقّهَا بَعْد حَصَاد الزَّرْع فَإِنَّ الزَّرْع لِغَاصِبِ الْأَرْض لَا نَعْلَم فِيهَا خِلَافًا ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ نَمَاء مَاله وَعَلَيْهِ أُجْرَة الْأَرْض إِلَى وَقْت التَّسْلِيم ، وَضَمَان نَقْص الْأَرْض وَتَسْوِيَة حَفَرَهَا . وَإِنْ أَخَذَ الْأَرْض صَاحِبهَا مِنْ الْغَاصِب وَالزَّرْع قَائِم فِيهَا لَمْ يَمْلِك إِجْبَار الْغَاصِب عَلَى قَلْعه وَخَيَّرَ الْمَالِك بَيْن أَنْ يَدْفَع إِلَيْهِ نَفَقَته وَيَكُون الزَّرْع لَهُ أَوْ يَتْرُك الزَّرْع لِلْغَاصِبِ ، وَبِهَذَا قَالَ أَبُو عُبَيْد . وَقَالَ الشَّافِعِيّ وَأَكْثَر الْفُقَهَاء : إِنَّ صَاحِب الْأَرْض يَمْلِك إِجْبَار الْغَاصِب عَلَى قَلْعه ، وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " لَيْسَ لِعِرْقِ ظَالِم حَقّ " وَيَكُون الزَّرْع لِمَالِك الْبَذْر عِنْدهمْ عَلَى كُلّ حَال وَعَلَيْهِ كِرَاء الْأَرْض وَمِنْ جُمْلَة مَا اِسْتَدَلَّ بِهِ الْأَوَّلُونَ مَا أَخْرَجَهُ أَحْمَد وَأَبُو دَاوُدَ " أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى زَرْعًا فِي أَرْض ظُهَيْر فَأَعْجَبَهُ " الْحَدِيث ، وَقَدْ تَقَدَّمَ آنِفًا ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الزَّرْع تَابِع لِلْأَرْضِ .
قَالَ الشَّوْكَانِيُّ : وَلَا يَخْفَى أَنَّ حَدِيث رَافِع بْن خَدِيج أَخَصّ مِنْ قَوْله " لَيْسَ لِعِرْقِ ظَالِم حَقّ مُطْلَقًا " فَيَبْنِي الْعَامّ عَلَى الْخَاصّ ، وَهَذَا فَرْض أَنَّ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " لَيْسَ لِعِرْقِ ظَالِم حَقّ " يَدُلّ عَلَى أَنَّ الزَّرْع لِرَبِّ الْبَذْر ، فَيَكُون الرَّاجِح مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ أَهْل الْقَوْل الْأَوَّل مِنْ أَنَّ الزَّرْع لِصَاحِبِ الْأَرْض إِذَا اِسْتَرْجَعَ أَرْضه وَالزَّرْع فِيهَا ، وَأَمَّا إِذَا اِسْتَرْجَعَهَا بَعْد حَصَاد الزَّرْع فَظَاهِر الْحَدِيث أَنَّهُ أَيْضًا لِرَبِّ الْأَرْض ، وَلَكِنَّهُ إِذَا صَحَّ الْإِجْمَاع عَلَى أَنَّهُ لِلْغَاصِبِ كَانَ مُخَصَّصًا لِهَذِهِ الصُّورَة .@

الصفحة 233