كتاب عون المعبود شرح سنن أبي داود (ط. المكبتة السلفية) (اسم الجزء: 9)
وَخَبَر وَالْجُمْلَة خَبَر لِقَوْلِهِ الْمُتَبَايِعَانِ
( عَلَى صَاحِبه )
أَيْ عَلَى الْآخَر مِنْهُمَا وَالْجَار مُتَعَلِّق بِالْخِيَارِ ، وَالْمُرَاد بِالْخِيَارِ خِيَار الْمَجْلِس
( مَا لَمْ يَفْتَرِقَا )
وَفِي بَعْض النُّسَخ يَتَفَرَّقَا أَيْ بِبَدَنِهِمَا فَيَثْبُت لَهُمَا خِيَار الْمَجْلِس ، وَالْمَعْنَى أَنَّ الْخِيَار مُمْتَدّ زَمَن عَدَم تُفَرُّقِهِمَا ، وَذَلِكَ لِأَنَّ مَا مَصْدَرِيَّة ظَرْفِيَّة . وَفِي حَدِيث عَمْرو بْن شُعَيْب عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّه عَبْد اللَّه بْن عَمْرو بْن الْعَاصِ عِنْد الْبَيْهَقِيِّ وَالدَّارَقُطْنِيّ " مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا عَنْ مَكَانهمَا " وَذَلِكَ صَرِيح فِي الْمَقْصُود . قَالَهُ الْقَسْطَلَّانِيُّ .
قَالَ الْخَطَّابِيّ : اِخْتَلَفَ النَّاس فِي التَّفَرُّق الَّذِي يَصِحّ بِوُجُودِهِ الْبَيْع ، فَقَالَتْ طَائِفَة هُوَ التَّفَرُّق بِالْأَبْدَانِ ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ عَبْد اللَّه بْن عُمَر وَأَبُو بَرْزَة الْأَسْلَمِيّ ، وَبِهِ قَالَ شُرَيْح وَسَعِيد بْن الْمُسَيِّب وَالْحَسَن الْبَصْرِيّ وَعَطَاء بْن أَبِي رَبَاح وَالزُّهْرِيّ وَهُوَ قَوْل الْأَوْزَاعِيِّ وَالشَّافِعِيّ وَأَحْمَد وَإِسْحَاق وَأَبِي عُبَيْد وَأَبِي ثَوْر . وَقَالَ النَّخَعِيُّ وَأَصْحَاب الرَّأْي الِافْتِرَاق بِالْكَلَامِ ، وَإِذَا تَعَاقَدَا صَحَّ الْبَيْع ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مَالِك . وَظَاهِر الْحَدِيث يَشْهَد لِمَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ التَّفَرُّق هُوَ تَفَرُّق الْأَبَدَانِ ، وَعَلَى هَذَا فَسَّرَهُ اِبْن عُمَر وَهُوَ رَاوِي الْخَبَر ، وَكَانَ إِذَا بَايَعَ رَجُلًا فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَحِقّ الصَّفْقَة مَشَى خُطُوَات حَتَّى يُفَارِقهُ ، وَكَذَلِكَ تَأَوَّلَهُ أَبُو بَرْزَة فِي شَأْن الْفَرَس الَّذِي بَاعَهُ الرَّجُل مِنْ صَاحِبه وَهُمَا فِي الْمَنْزِل ، وَعَلَى هَذَا وَجَدْنَا أَمْر النَّاس وَعُرْف اللُّغَة .
وَظَاهِر الْكَلَام إِذَا قِيلَ تَفَرَّقَ النَّاس كَانَ الْمَفْهُوم مِنْهُ التَّمَيُّز بِالْأَبْدَانِ وَإِنَّمَا يَعْقِل مَا عَدَاهُ مِنْ التَّفَرُّق فِي الرَّأْي وَالْكَلَام بِقَيْدٍ وَصِلَة ، قَالَ وَلَوْ كَانَ تَأْوِيل الْحَدِيث عَلَى الْوَجْه الَّذِي صَارَ إِلَيْهِ النَّخَعِيُّ لَخَلَا الْحَدِيث عَنْ الْفَائِدَة وَسَقَطَ مَعْنَاهُ وَذَلِكَ أَنَّ الْعِلْم مُحِيط بِأَنَّ الْمُشْتَرِي مَا لَمْ يُوجَد مِنْهُ قَبُول الْبَيْع فَهُوَ بِالْخِيَارِ ، وَكَذَلِكَ الْبَائِع خِيَاره ثَابِت فِي مِلْكه قَبْل أَنْ يَعْقِد الْبَيْع ، وَهَذَا مَعَ الْعِلْم الْعَامّ الَّذِي قَدْ اِسْتَقَرَّ بَيَانه اِنْتَهَى مُخْتَصَرًا
( إِلَّا بَيْع الْخِيَار )
.
قَالَ النَّوَوِيّ : فِيهِ ثَلَاثَة أَقْوَال ذَكَرَهَا أَصْحَابنَا وَغَيْرهمْ مِنْ الْعُلَمَاء أَصَحّهَا أَنَّ@
الصفحة 289