كتاب عون المعبود شرح سنن أبي داود (ط. المكبتة السلفية) (اسم الجزء: 9)

وَفِيهِ أَنَّ أَبَا بَرْزَة وَسَّعَ فِي الْمَجْلِس وَلَا يَتِمّ التَّفَرُّق بِالْأَبْدَانِ عِنْده حَتَّى يَتَفَرَّقَا جَمِيعًا مِنْ ذَلِكَ الْمَوْضِع وَيَتْرُكَاهُ ، لِأَنَّ أَبَا الْوَضِيء قَالَ ثُمَّ أَقَامَا بَقِيَّة يَوْمهمَا وَلَيْلَتهمَا وَمَعَ ذَلِكَ قَالَ أَبُو بَرْزَة مَا أَرَاكُمَا اِفْتَرَقْتُمَا . وَمِنْ الْمَعْلُوم أَنَّ وَاحِدًا مِنْهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا لَا بُدّ لَهُمَا أَنْ يَتَفَرَّقَا لِقَضَاءِ حَاجَتهمَا مِنْ أَكْل وَشُرْب وَنَوْم وَبَوْل وَغَائِط وَغَيْرهَا نَعَمْ لَمْ يَتَفَرَّقَا مِنْ مَوْضِع قِيَامهمَا تَفَرُّق الْخُرُوج وَالِانْتِشَار إِلَّا مِنْ الْغَد ، لَكِنْ الْحَدِيث فِي سُنَن التِّرْمِذِيّ بِلَفْظِ آخَر وَهَذِهِ عِبَارَته رُوِيَ عَنْ أَبِي بَرْزَة الْأَسْلَمِيّ " إِنَّ رَجُلَيْنِ اِخْتَصَمَا إِلَيْهِ فِي فَرَس بَعْدَمَا تَبَايَعَا فَكَانُوا فِي سَفِينَة فَقَالَ لَا أَرَاكُمَا اِفْتَرَقْتُمَا وَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا " وَاَللَّه أَعْلَم .
قَالَ الْحَافِظ اِبْن حَجَر : فَأَبُو بَرْزَة الصَّحَابِيّ حَمَلَ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا عَلَى التَّفَرُّق بِالْأَبْدَانِ ، وَكَذَلِكَ حَمَلَهُ اِبْن عُمَر عَلَيْهِ وَلَا يُعْلَم لَهُمَا مُخَالِف مِنْ الصَّحَابَة اِنْتَهَى .
وَفِي صَحِيح الْبُخَارِيّ : وَبِهِ قَالَ اِبْن عُمَر وَشُرَيْح وَالشَّعْبِيّ وَطَاوُسٌ وَعَطَاء وَابْن أَبِي مُلَيْكَة اِنْتَهَى .
وَنَقَلَ اِبْن الْمُنْذِر الْقَوْل بِهِ أَيْضًا عَنْ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب وَالزُّهْرِيّ وَابْن أَبِي ذِئْب مِنْ أَهْل الْمَدِينَة ، وَعَنْ الْحَسَن الْبَصْرِيّ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَابْن جُرَيْجٍ وَغَيْرهمْ ، وَقَالَ اِبْن حَزْم لَا نَعْلَم لَهُمْ مُخَالِفًا مِنْ التَّابِعِينَ إِلَّا إِبْرَاهِيم النَّخَعِيَّ وَحْده ، كَذَا فِي الْفَتْح .
قَالَ الْخَطَّابِيّ فِي الْمَعَالِم : أَكْثَر شَيْء سَمِعْت أَصْحَاب مَالِك يَحْتَجُّونَ بِهِ فِي رَدّ الْحَدِيث هُوَ أَنَّهُ قَالَ : لَيْسَ الْعَمَل عَلَيْهِ عِنْدنَا وَلَيْسَ لِلتَّفَرُّقِ حَدّ مَحْدُود يُعْلَم . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : هَذَا لَيْسَ بِحُجَّةٍ ، أَمَّا قَوْله لَيْسَ الْعَمَل عَلَيْهِ عِنْدنَا فَإِنَّمَا هُوَ كَأَنَّهُ قَالَ أَنَا أَرُدّ هَذَا الْحَدِيث فَلَا أَعْمَل بِهِ ، فَيُقَال لَهُ الْحَدِيث حُجَّة فَلِمَ رَدَدْته وَلِمَ لَمْ تَعْمَل بِهِ قَالَ الشَّافِعِيّ : رَحِمَ اللَّه مَالِكًا لَسْت أَدْرِي مَنْ اِتَّهَمَ فِي إِسْنَاد @

الصفحة 293