كتاب عون المعبود شرح سنن أبي داود (ط. المكبتة السلفية) (اسم الجزء: 10)

أَيْ وِزْرٌ عَظِيمٌ ، وَقِيلَ إِنَّ الْخَمْرَ عَدُوٌّ لِلْعَقْلِ فَإِذَا غَلَبَتْ عَلَى عَقْل الْإِنْسَان اِرْتَكَبَ كُلّ قَبِيح فَفِي ذَلِكَ آثَام كَبِيرَة ، مِنْهَا إِقْدَامه عَلَى شُرْب الْمُحَرَّم ، وَمِنْهَا فِعْل مَا لَا يَحِلُّ فِعْله .
وَأَمَّا الْإِثْم الْكَبِير فِي الْمَيْسِر فَهُوَ أَكْل الْمَال الْحَرَام بِالْبَاطِلِ ، وَمَا يَجْرِي بَيْنهمَا مِنْ الشَّتْم وَالْمُخَاصَمَة وَالْمُعَادَاة ، وَكُلّ ذَلِكَ فِيهِ آثَام كَثِيرَة { وَمَنَافِع لِلنَّاسِ } يَعْنِي أَنَّهُمْ كَانُوا يَرْبَحُونَ فِي بَيْعِ الْخَمْر قَبْل تَحْرِيمهَا .
وَهَذِهِ الْآيَة فِي الْبَقَرَة وَتَمَامهَا مَعَ تَفْسِيرهَا هَكَذَا ( وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا ) : يَعْنِي إِثْمهمَا بَعْد التَّحْرِيم أَكْبَرُ مِنْ نَفْعهمَا قَبْل التَّحْرِيم ، وَقِيلَ إِنَّهُمَا قَوْله تَعَالَى { إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ } الْآيَة ، فَهَذِهِ ذُنُوب يَتَرَتَّب عَلَيْهَا آثَام كَبِيرَة بِسَبَبِ الْخَمْر وَالْمَيْسِر
( نَسَخَتْهُمَا )
: أَيْ الْآيَة الْأُولَى ، وَهِيَ { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى } وَالْآيَة الثَّانِيَة وَهِيَ { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى } وَالْآيَة الثَّانِيَة وَهِيَ { يَسْأَلُونَك عَنْ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ } الْآيَة
( الَّتِي فِي الْمَائِدَة )
: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا } { إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ } الْآيَة : الْمَيْسِرُ الْقِمَار ، وَالْأَنْصَاب الْأَصْنَام وَهِيَ الْحِجَارَة الَّتِي كَانُوا يَنْصِبُونَهَا لِلْعِبَادَةِ وَيَذْبَحُونَ عِنْدهَا . وَتَمَام الْآيَتَيْنِ مَعَ تَفْسِيرهمَا هَكَذَا { وَالْأَزْلَام } هِيَ الْقِدَاح الَّتِي كَانُوا يَسْتَقْسِمُونَ بِهَا { رِجْس } : نَجِس أَوْ خَبِيث مُسْتَقْذَر { مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ } : لِأَنَّهُ يَحْمِل عَلَيْهِ فَكَأَنَّهُ عَمَله { فَاجْتَنِبُوهُ } : أَيْ الرِّجْس لِأَنَّهُ اِسْم جَامِع لِلْكُلِّ كَأَنَّهُ قَالَ إِنَّ هَذِهِ الْأَرْبَعَة الْأَشْيَاء كُلّهَا رِجْس فَاجْتَنِبُوهُ { لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } : يَعْنِي لِكَيْ تُدْرِكُوا الْفَلَاح إِذَا اِجْتَنَبْتُمْ هَذِهِ الْمُحَرَّمَات الَّتِي هِيَ رِجْس { إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمْ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ } : يَعْنِي إِنَّمَا يُزَيِّن لَكُمْ الشَّيْطَان شُرْب الْخَمْر وَالْقِمَار وَهُوَ الْمَيْسِر ، وَيُحَسِّن ذَلِكَ لَكُمْ إِرَادَة أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمْ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ بِسَبَبِ شُرْب الْخَمْر ، لِأَنَّهَا تُزِيل عَقْلَ شَارِبهَا فَيَتَكَلَّم بِالْفُحْشِ ، وَرُبَّمَا أَفْضَى ذَلِكَ إِلَى الْمُقَاتَلَة وَذَلِكَ سَبَب إِيقَاع الْعَدَاوَة وَالْبَغْضَاء بَيْن شَارِبِيهَا @

الصفحة 109