كتاب عون المعبود شرح سنن أبي داود (ط. المكبتة السلفية) (اسم الجزء: 10)

الْحَدّ فِيهَا وَرَأَى فِيهَا التَّعْزِير لِأَنَّهَا تُغَيِّر الْعَقْل مِنْ غَيْر طَرَب كَالْبَنْجِ وَأَنَّهُ لَمْ يَجِد لِلْعُلَمَاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ فِيهَا كَلَامًا وَلَيْسَ ذَلِكَ بَلْ آكِلُوهَا يَحْصُل لَهُمْ نَشْوَة وَاشْتِهَاء كَشَرَابِ الْخَمْر ، وَلِكَوْنِهَا جَامِدَة مَطْعُومَة تَنَازَعَ الْعُلَمَاء فِي نَجَاسَتهَا عَلَى ثَلَاثَة أَقْوَال فِي مَذْهَب أَحْمَد وَغَيْره ، فَقِيلَ هِيَ نَجِسَة كَالْخَمْرِ الْمَشْرُوبَة وَهَذَا هُوَ الِاعْتِبَار الصَّحِيح ، وَقِيلَ لَا لِجُمُودِهَا ، وَقِيلَ يُفَرَّق بَيْن جَامِدهَا وَمَائِعهَا وَبِكُلِّ حَال فَهِيَ دَاخِلَة فِيمَا حَرَّمَ اللَّه وَرَسُوله مِنْ الْخَمْر الْمُسْكِر لَفْظًا وَمَعْنًى . قَالَ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ يَا رَسُول اللَّه أَفْتِنَا فِي شَرَابَيْنِ كُنَّا نَصْنَعهُمَا بِالْيَمَنِ الْبِتْع وَهُوَ مِنْ الْعَسَل يُنْبَذ حَتَّى يَشْتَدّ ، وَالْمِزْر وَهُوَ مِنْ الذُّرَة وَالشَّعِير يُنْبَذ حَتَّى يَشْتَدّ ، قَالَ وَكَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ أُعْطِيَ جَوَامِع الْكَلِم بِخَوَاتِيمِهِ فَقَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " كُلّ مُسْكِر حَرَام " وَقَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَا أَسْكَرَ كَثِيره فَقَلِيله حَرَام " ، وَلَمْ يُفَرِّق صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْن نَوْع وَنَوْع كَكَوْنِهِ مَأْكُولًا أَوْ مَشْرُوبًا عَلَى أَنَّ الْخَمْر قَدْ تُؤْكَل بِالْخُبْزِ ، وَالْحَشِيشَة قَدْ تُذَاب وَتُشْرَب اِنْتَهَى كَلَام الذَّهَبِيّ . هَذَا آخِر كَلَام اِبْن حَجَر الْمَكِّيّ مُلَخَّصًا .
قُلْت قَوْل اِبْن حَجَر الْمَكِّيّ هَذَا مُبَالَغَة عَظِيمَة ، فَإِنَّهُ عَدَّ الْعَنْبَر وَالزَّعْفَرَان مِنْ الْمُسْكِرَات وَجَعَلَ اِسْتِعْمَالهَا مِنْ الْكَبَائِر كَالْخَمْرِ ، وَهَذَا كَلَام بَاطِل وَسَاقِط الِاعْتِبَار ، وَلَمْ يَثْبُت قَطّ عَنْ الْأَئِمَّة الْقُدَمَاء مِنْ الْعُلَمَاء بِالنَّبَاتِ سُكْرهمَا كَمَا سَيَجِيءُ وَقَدْ عَرَفْت مَعْنَى السُّكْر مِنْ أَقْوَال الْعُلَمَاء ، وَلَيْسَ فِي تَعْرِيف السُّكْر تَغْطِيَة الْعَقْل بِنَوْعٍ مَا كَمَا فَهِمَهُ اِبْن حَجَر الْمَكِّيّ ، بَلْ بِوَجْهٍ يُعَطِّل عَقْله الْمُمَيِّز بَيْن الْأُمُور الْحَسَنَة وَالْقَبِيحَة أَوْ مَعَ ذَلِكَ يَحْصُل لَهُ بِهِ الطَّرَب وَالنَّشَاط وَالْعَرْبَدَة وَغَيْر ذَلِكَ . وَقَوْله وَبِمَا قَرَّرْته فِي مَعْنَى الْإِسْكَار فِي هَذِهِ الْمَذْكُورَات عُلِمَ أَنَّهُ لَا يُنَافِي أَنَّ هَذِهِ الْمَذْكُورَات تُسَمَّى مُخَدِّرَة .@

الصفحة 138