كتاب عون المعبود شرح سنن أبي داود (ط. المكبتة السلفية) (اسم الجزء: 10)

قُلْت : لَمْ يَثْبُت قَطّ أَنَّ كُلّ الْمَذْكُورَات بِأَجْمَعِهَا فِيهَا سُكْر ، وَثَبَتَ فِي مَحَلّه أَنَّ السُّكْر غَيْر الْخَدَر فَإِطْلَاق السُّكْر عَلَى الْخَدَر غَيْر صَحِيح ، فَإِنَّ الْخَدَر هُوَ الضَّعْف فِي الْبَدَن وَالْفَتَر الَّذِي يُصِيب الشَّارِب قَبْل السُّكْر كَمَا صَرَّحَ بِهِ اِبْن الْأَثِير فِي النِّهَايَة فَأَنَّى يَصِحّ الْقَوْل بِأَنَّ هَذِهِ الْمَذْكُورَات تُسَمَّى مُسْكِرَة وَمُخَدِّرَة .
وَقَوْله : وَالْأَصْل فِي تَحْرِيم كُلّ ذَلِكَ مَا رَوَاهُ أَحْمَد وَأَبُو دَاوُدَ إِلَى آخِره .
قُلْت : إِنَّا نُسَلِّم أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ كُلّ مُسْكِر وَمُفَتِّر ، بَلْ وَنَهَى عَنْ كُلّ مُخَدِّر أَيْضًا ، وَقَدْ ثَبَتَ عَنْهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ مَا أَسْكَرَ كَثِيره فَقَلِيله مِنْهُ حَرَام ، وَمَا ثَبَتَ عَنْهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ مَا أَفْتَرَ كَثِيره فَقَلِيله مِنْهُ حَرَام أَوْ مَا خَدَّرَ كَثِيره فَقَلِيله مِنْهُ حَرَام ، وَلَيْسَ الْمُسْكِر وَالْمُخَدِّر وَالْمُفَتِّر شَيْئًا وَاحِدًا ، وَاَلَّذِي يُسْكِر فَكَثِيره وَقَلِيله سَوَاء فِي الْحُرْمَة ، وَالَّذِي يُفَتِّر أَوْ يُخَدِّر فَلَا يَحْرُم مِنْهُمَا إِلَّا قَدْر التَّفْتِير أَوْ قَدْر التَّخْدِير .
وَيُؤَيِّدهُ مَا أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْم كَمَا فِي كَنْز الْعُمَّال عَنْ الْحَكَم بْن عُتَيْبَة عَنْ أَنَس بْن حُذَيْفَة صَاحِب الْبَحْرَيْنِ قَالَ " كَتَبْت إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ النَّاس قَدْ اِتَّخَذُوا بَعْد الْخَمْر أَشْرِبَة تُسْكِرهُمْ كَمَا تُسْكِر الْخَمْر مِنْ التَّمْر وَالزَّبِيب يَصْنَعُونَ ذَلِكَ فِي الدُّبَّاء وَالنَّقِير وَالْمُزَفَّت وَالْحَنْتَم ، فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ كُلّ شَرَاب أَسْكَرَ حَرَام ، وَالْمُزَفَّت حَرَام ، وَالنَّقِير حَرَام ، وَالْحَنْتَم حَرَام ، فَاشْرَبُوا فِي الْقِرَب وَشُدُّوا الْأَوْكِيَة ، فَاتَّخَذَ النَّاس فِي الْقِرَب مَا يُسْكِر ، فَبَلَغَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَامَ فِي النَّاس فَقَالَ إِنَّهُ لَا يَفْعَل ذَلِكَ إِلَّا أَهْل النَّار ، أَلَا إِنَّ كُلّ مُسْكِر حَرَام ، وَكُلّ مُفَتِّر وَكُلّ مُخَدِّر حَرَام ، وَمَا أَسْكَرَ كَثِيره فَقَلِيله حَرَام .
وَفِي رِوَايَة لِأَبِي نُعَيْم عَنْ أَنَس بْن حُذَيْفَة " أَلَا إِنَّ كُلّ مُسْكِر حَرَام وَكُلّ مُخَدِّر حَرَام وَمَا أَسْكَرَ كَثِيره حَرُمَ قَلِيله وَمَا خَمَّرَ الْعَقْل فَهُوَ حَرَام اِنْتَهَى " فَانْظُرْ @

الصفحة 139