كتاب عون المعبود شرح سنن أبي داود (ط. المكبتة السلفية) (اسم الجزء: 10)
صِفَة الِاتِّكَاء ، فَقِيلَ أَنْ يَتَمَكَّن فِي الْجُلُوس لِلْأَكْلِ عَلَى أَيّ صِفَة كَانَ ، وَقِيلَ أَنْ يَمِيلَ عَلَى أَحَد شِقَّيْهِ ، وَقِيلَ أَنْ يَعْتَمِدَ عَلَى يَده الْيُسْرَى مِنْ الْأَرْض قَالَ الْخَطَّابِيُّ : تَحْسَب الْعَامَّة أَنَّ الْمُتَّكِئَ هُوَ الْآكِل عَلَى أَحَد شِقَّيْهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هُوَ الْمُعْتَمِد عَلَى الْوِطَاءِ الَّذِي تَحْته . قَالَ وَمَعْنَى الْحَدِيث أَنِّي لَا أَقْعُد مُتَّكِئًا عَلَى الْوِطَاءِ عِنْدَ الْأَكْلِ فِعْلَ مَنْ يَسْتَكْثِر مِنْ الطَّعَام فَإِنِّي لَا آكُل إِلَّا الْبُلْغَة مِنْ الزَّاد ، فَلِذَلِكَ أَقْعُد مُسْتَوْفِزًا . وَفِي حَدِيث أَنَس أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَكَلَ تَمْرًا وَهُوَ مُقْعٍ ، وَفِي رِوَايَة وَهُوَ مُحْتَفِز ، وَالْمُرَاد الْجُلُوس عَلَى وَرِكَيْهِ غَيْر مُتَمَكِّن . وَأَخْرَجَ اِبْن عَدِيّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ زَجَرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَعْتَمِد الرَّجُل عَلَى يَده الْيُسْرَى عِنْد الْأَكْل . قَالَ مَالِك هُوَ نَوْع مِنْ الِاتِّكَاء قُلْت : وَفِي هَذَا إِشَارَة مِنْ مَالِك إِلَى كَرَاهَة كُلّ مَا يُعَدّ الْأَكْل فِيهِ مُتَّكِئًا وَلَا يَخْتَصّ بِصِفَةٍ بِعَيْنِهَا . وَجَزَمَ اِبْن الْجَوْزِيّ فِي تَفْسِير الِاتِّكَاء بِأَنَّهُ الْمَيْل عَلَى أَحَد الشِّقَّيْنِ وَلَمْ يَلْتَفِت لِإِنْكَارِ الْخَطَّابِيّ ذَلِكَ . وَحَكَى اِبْن الْأَثِير فِي النِّهَايَة أَنَّ مَنْ فَسَّرَ الِاتِّكَاءَ بِالْمَيْلِ عَلَى أَحَد الشِّقَّيْنِ تَأَوَّلَهُ عَلَى مَذْهَب الطِّبّ بِأَنَّهُ لَا يَنْحَدِر فِي مَجَارِي الطَّعَام سَهْلًا وَلَا يُسِيغهُ هَنِيئًا وَرُبَّمَا تَأَذَّى بِهِ .
قَالَ الْحَافِظ : وَإِذَا ثَبَتَ كَوْنه مَكْرُوهًا أَوْ خِلَاف الْأَوْلَى فَالْمُسْتَحَبّ فِي صِفَة الْجُلُوس لِلْأَكْلِ أَنْ يَكُونَ جَاثِيًا عَلَى رُكْبَتَيْهِ وَظُهُور قَدَمَيْهِ أَوْ يَنْصِب الرِّجْل الْيُمْنَى وَيَجْلِس عَلَى الْيُسْرَى اِنْتَهَى . وَقَالَ الْقَارِي فِي الْمِرْقَاة : نُقِلَ فِي الشِّفَاء عَنْ الْمُحَقِّقِينَ أَنَّهُمْ فَسَّرُوهُ بِالتَّمَكُّنِ لِلْأَكْلِ وَالْقُعُود فِي الْجُلُوس كَالْمُتَرَبِّعِ الْمُعْتَمِد عَلَى وِطَاء تَحْته لِأَنَّ هَذِهِ الْهَيْئَة تَسْتَدْعِي كَثْرَة الْأَكْل وَتَقْتَضِي الْكِبْر اِنْتَهَى .
وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي الْمَعَالِم : يَحْسَبُ أَكْثَرُ الْعَامَّة أَنَّ الْمُتَّكِئ هُوَ الْمَائِل الْمُعْتَمِد عَلَى أَحَد شِقَّيْهِ لَا يَعْرِفُونَ غَيْره . وَكَانَ بَعْضهمْ يُتَأَوَّل هَذَا الْكَلَام عَلَى مَذْهَب@
الصفحة 244