كتاب عون المعبود شرح سنن أبي داود (ط. المكبتة السلفية) (اسم الجزء: 10)

وَأَنَّهُ لَا شَكّ فِي إِبَاحَته وَأَنَّهُ يَرْتَضِيه لِنَفْسِهِ ، أَوْ أَنَّهُ قَصَدَ التَّبَرُّك بِهِ لِكَوْنِهِ طُعْمَة مِنْ اللَّه تَعَالَى خَارِقَة لِلْعَادَةِ كَرَّمَهُمْ اللَّه بِهَا .
قَالَ الْإِمَام الْخَطَّابِيُّ فِي مَعَالِم السُّنَن : فِيهِ دَلِيل عَلَى أَنَّ دَوَابّ الْبَحْر كُلّهَا مُبَاحَة وَأَنَّ مَيْتَتهَا حَلَال ، أَلَا تَرَاهُ يَقُول " فَهَلْ مَعَكُمْ مِنْ لَحْمه شَيْء فَتُطْعِمُونَا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِ فَأَكَلَ " وَهَذَا حَال رَفَاهِيَة لَا حَال ضَرُورَة . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْر الصِّدِّيق أَنَّهُ قَالَ " كُلّ دَابَّة فِي الْبَحْر فَقَدْ ذَبَحَهَا اللَّه لَكُمْ وَذَكَّاهَا لَكُمْ " وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مُحَمَّد بْن عَلِيّ أَنَّهُ قَالَ : كُلّ مَا فِي الْبَحْر ذَكِيّ .
وَكَانَ الْأَوْزَاعِيُّ يَقُول : كُلّ شَيْء كَانَ عَيْشه فِي الْمَاء فَهُوَ حَلَال ، قِيلَ فَالتِّمْسَاح ؟ قَالَ نَعَمْ .
وَغَالِب مَذْهَب الشَّافِعِيّ إِبَاحَة دَوَابّ الْبَحْر كُلّهَا إِلَّا الضُّفْدَع لِمَا جَاءَ فِي النُّهَى عَنْ قَتْلهَا .
وَكَانَ أَبُو ثَوْر يَقُول : جَمِيع مَا يَأْوِي إِلَى الْمَاء فَهُوَ حَلَال فَمَا كَانَ مِنْهُ يُذَكَّى لَمْ يَحِلّ إِلَّا بِذَكَاةٍ ، وَمَا كَانَ مِنْهُ لَا يُذَكَّى مِثْل السَّمَك حَلَّ حَيًّا وَمَيِّتًا . وَكَرِهَ أَبُو حَنِيفَة دَوَابّ الْبَحْر كُلّهَا إِلَّا السَّمَك . وَقَالَ سُفْيَان الثَّوْرِيّ : أَرْجُو أَنْ لَا يَكُون بِالسَّرَطَانِ بَأْس . وَقَالَ اِبْن وَهْب : سَأَلْت اللَّيْث بْن سَعْد عَنْ أَكْل خِنْزِير الْمَاء وَكَلْب الْمَاء وَإِنْسَان الْمَاء وَدَوَابّ الْمَاء كُلّهَا فَقَالَ : أَمَّا إِنْسَان الْمَاء فَلَا يُؤْكَل عَلَى شَيْء مِنْ الْحَالَات ، وَالْخِنْزِير إِذَا سَمَّاهُ النَّاس خِنْزِيرًا فَلَا يُؤْكَل وَقَدْ حَرَّمَ اللَّه تَعَالَى الْخِنْزِير وَأَمَّا الْكِلَاب فَلَيْسَ بِهَا بَأْس فِي الْبَحْر وَالْبَرّ .
قَالَ الْخَطَّابِيُّ : لَمْ يَخْتَلِفُوا أَنَّ الْمَارَمَا هِيَ مُبَاح أَكْله وَهُوَ يُشْبِه الْحَيَّات ، وَتُسَمَّى أَيْضًا حَيَّة الْبَحْر ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى بُطْلَان اِعْتِبَار مَعْنَى الْأَسْمَاء وَالْأَشْبَاه فِي حَيَوَان الْبَحْر ، وَإِنَّمَا هِيَ كُلّهَا سُمُوك وَإِنْ اِخْتَلَفَتْ أَشْكَالهَا وَصُوَرهَا ، وَقَدْ قَالَ اللَّه سُبْحَانه وَتَعَالَى { أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ } فَدَخَلَ فِيهِ مَا يُصَاد مِنْ حَيَوَانه لِأَنَّهُ لَا يُخَصُّ مِنْهُ شَيْء إِلَّا بِدَلِيلٍ . وَسُئِلَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ مَاء الْبَحْر فَقَالَ " طَهُورٌ مَاؤُهُ حَلَال مَيْتَتُهُ " فَلَمْ يَسْتَثْنِ شَيْئًا مِنْهَا @

الصفحة 317