كتاب عون المعبود شرح سنن أبي داود (ط. المكبتة السلفية) (اسم الجزء: 10)

لِمَا فِيهِ مِنْ نَفْي الضَّرَر عَنْ الْمَكْوِيّ وَتَارَة يَكُون مَعَ عَدَم تَحَقُّق أَسْبَابه كَمَا يُحْكَى عَنْ التُّرْك أَنَّهُمْ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ لِيُزْعِجُوا الطَّبِيعَة فَلَا يَصِل الدَّاء إِلَى الْجَسَد فَهَذَا يَتَرَجَّح تَرْكه عَلَى فِعْله لِمَا فِيهِ مِنْ الضَّرَر الْعَظِيم الْعَاجِل مَعَ إِمْكَان الِاكْتِفَاء بِغَيْرِهِ فَهَذَا هُوَ الْمَنْهِيّ عَنْهُ كَذَا فِي مِرْقَاة الصُّعُود .
وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : إِنَّمَا كَوَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَعْد بْن مُعَاذ لِيَرْقَى الدَّم عَنْ جُرْحه وَخَافَ عَلَيْهِ أَنْ يَنْزِف فَيَهْلِكَ وَالْكَيّ يُسْتَعْمَل فِي هَذَا الْبَاب وَهُوَ مِنْ الْعِلَاج الَّذِي تَعْرِفهُ الْخَاصَّة وَأَكْثَر الْعَامَّة وَالْعَرَب تَسْتَعْمِل الْكَيّ كَثِيرًا فِيمَا يَعْرِض لَهَا مِنْ الْأَدْوَاء وَيُقَال فِي أَمْثَالهَا آخِر الدَّوَاء الْكَيّ ، وَالْكَيّ دَاخِل فِي جُمْلَة الْعِلَاج وَالتَّدَاوِي الْمَأْذُون فِيهِ الْمَذْكُور فِي حَدِيث أُسَامَة بْن شَرِيك الَّذِي رَوَيْنَا فِي الْبَاب الْأَوَّل .
فَأَمَّا حَدِيث عِمْرَان بْن حُصَيْن فِي النَّهْي عَنْ الْكَيّ فَقَدْ يَحْتَمِل وُجُوهًا : أَحَدهَا أَنْ يَكُون ذَلِكَ مِنْ أَجْل أَنَّهُمْ يُعَظِّمُونَ أَمْرَهُ يَقُولُونَ آخِر الدَّوَاء الْكَيّ وَيَرَوْنَ أَنَّهُ يَحْسِم الدَّاء وَيُبْرِئهُ فَإِذَا لَمْ يَفْعَل ذَلِكَ عَطِبَ صَاحِبه وَهَكَذَا فَنَهَاهُمْ عَنْ ذَلِكَ إِذَا كَانَ الْعِلَاج عَلَى هَذَا الْوَجْه وَأَبَاحَ لَهُمْ اِسْتِعْمَاله عَلَى مَعْنَى التَّوَكُّل عَلَى اللَّه سُبْحَانه وَطَلَب الشِّفَاء وَالتَّرَجِّي لِلْبُرْءِ بِمَا يُحْدِث اللَّه عَزَّ وَجَلَّ مِنْ صُنْعه فِيهِ وَيَجْلِبهُ مِنْ الشِّفَاء عَلَى أَثَره فَيَكُون الْكَيّ وَالدَّوَاء سَبَبًا لَا عِلَّة ، وَهُوَ أَمْر قَدْ يُكْثِر شُكُوك النَّاس وَتُخْطِئ فِيهِ ظُنُونهمْ وَأَوْهَامهمْ فَمَا أَكْثَرَ مَا سَمِعَهُمْ يَقُولُونَ لَوْ أَقَامَ فُلَان بِأَرْضِهِ وَبِدَارِهِ لَمْ يَهْلِك وَلَوْ شَرِبَ الدَّوَاء لَمْ يَسْقَم وَنَحْو ذَلِكَ مِنْ تَجْرِير إِضَافَة الْأُمُور إِلَى الْأَسْبَاب وَتَعْلِيق الْحَوَادِث بِهَا دُون تَسْلِيط الْقَضَاء عَلَيْهَا وَتَغْلِيب الْمَقَادِير فِيهَا فَتَكُون تِلْكَ الْأَسْبَاب أَمَارَات لِتِلْكَ الْكَوَائِن لَا مُوجِبَات لَهَا ، وَقَدْ بَيَّنَ اللَّه سُبْحَانه ذَلِكَ فِي كِتَابه فَقَالَ { أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُكُمْ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ } وَقَالَ تَعَالَى حِكَايَة عَنْ الْكُفَّار { وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي@

الصفحة 346