كتاب عون المعبود شرح سنن أبي داود (ط. المكبتة السلفية) (اسم الجزء: 10)
3375 -
قَالَ صَاحِبُ عَوْنِ الْمَعْبُودِ :
( ذَكَرَ )
: أَيْ وَائِل
( سَأَلَ )
: أَيْ طَارِق
( قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا وَلَكِنَّهَا دَاء )
: فِيهِ التَّصْرِيح بِأَنَّ الْخَمْر لَيْسَتْ بِدَوَاءٍ فَيَحْرُم التَّدَاوِي بِهَا كَمَا يَحْرُم شُرْبهَا . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : قَوْله لَكِنَّهَا دَاء إِنَّمَا سَمَّاهَا دَاء لِمَا فِي شُرْبهَا مِنْ الْإِثْم وَقَدْ يُسْتَعْمَل لَفْظ الدَّاء فِي الْآفَات وَالْعُيُوب وَمَسَاوِئ الْأَخْلَاق ، وَإِذَا تَبَايَعُوا الْحَيَوَان قَالُوا بَرِئَتْ مِنْ كُلّ دَاء يُرِيدُونَ الْعَيْب .
وَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِبَنِي سَاعِدَة مَنْ سَيِّدكُمْ قَالُوا جَدّ بْن قَيْس وَإِنَّا لَنَزُنّهُ بِشَيْءٍ مِنْ الْبُخْل ( أَيْ نَتَّهِمهُ بِالْبُخْلِ ) : فَقَالَ وَأَيّ دَاء أَدْوَى مِنْ الْبُخْل وَالْبُخْل إِنَّمَا هُوَ طَبْع أَوْ خُلُق وَقَدْ سَمَّاهُ دَاء . وَقَالَ دَبَّ إِلَيْكُمْ دَاء الْأُمَم قَبْلكُمْ الْبَغْي وَالْحَسَد فَنَرَى أَنَّ قَوْله فِي الْخَمْر إِنَّهَا دَاء أَيْ لِمَا فِيهَا مِنْ الْإِثْم فَنَقَلَهَا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَمْر الدُّنْيَا إِلَى أَمْر الْآخِرَة وَحَوَّلَهَا عَنْ بَاب الطَّبِيعَة إِلَى بَاب الشَّرِيعَة ، وَمَعْلُوم أَنَّهَا مِنْ جِهَة الطِّبّ دَوَاء فِي بَعْض الْأَسْقَام وَفِيهَا مَصَحَّة الْبَدَن وَهَذَا كَقَوْلِهِ حِين سُئِلَ عَنْ الرَّقُوب فَقَالَ هُوَ الَّذِي لَمْ يَمُتْ لَهُ وَلَد ، وَمَعْلُوم أَنَّ الرَّقُوب فِي كَلَام الْعَرَب هُوَ الَّذِي لَا يَعِيش لَهُ وَلَد ، وَكَقَوْلِهِ مَا تَعُدُّونَ الصُّرَعَة فِيكُمْ قَالُوا هُوَ الَّذِي يَغْلِب الرِّجَال فَقَالَ بَلْ هُوَ الَّذِي يَمْلِك نَفْسه عِنْد الْغَضَب ، وَكَقَوْلِهِ مَنْ تَعُدُّونَ الْمُفْلِس فِيكُمْ فَقَالُوا هُوَ الَّذِي لَا مَال لَهُ فَقَالَ بَلْ الْمُفْلِس مَنْ يَأْتِي يَوْم الْقِيَامَة وَقَدْ ظَلَمَ هَذَا وَشَتَمَ هَذَا وَضَرَبَ هَذَا فَيُؤْخَذ مِنْ حَسَنَاته لَهُمْ وَيُؤْخَذ مِنْ سَيِّئَاتهمْ فَيُلْقَى عَلَيْهِ فَيُطْرَح فِي النَّار . وَكُلّ هَذَا إِنَّمَا هُوَ عَلَى مَعْنَى ضَرْب الْمَثَل وَتَحْوِيله عَنْ أَمْر الدُّنْيَا إِلَى مَعْنَى أَمْر الْآخِرَة ، فَكَذَلِكَ سُمِّيَتْ الْخَمْر دَاء إِنَّمَا هُوَ فِي حَقّ الدِّين وَحُرْمَة الشَّرِيعَة لِمَا يَلْحَق شَارِبهَا مِنْ الْإِثْم وَإِنْ لَمْ يَكُنْ دَاء فِي الْبَدَن وَلَا سَقَمًا فِي الْجَسَد .
وَفِي الْحَدِيث بَيَان أَنَّهُ لَا يَجُوز التَّدَاوِي بِالْخَمْرِ وَهُوَ قَوْل أَكْثَر الْفُقَهَاء . وَقَدْ @
الصفحة 355