كتاب عون المعبود شرح سنن أبي داود (ط. المكبتة السلفية) (اسم الجزء: 10)
فَإِذَا عَمِلُوا بِمُوجِبِهَا فَكَأَنَّهُمْ أَشْرَكُوا بِاَللَّهِ فِي ذَلِكَ وَيُسَمَّى شِرْكًا خَفِيًّا وَمَنْ اِعْتَقَدَ أَنَّ شَيْئًا سِوَى اللَّه يَنْفَع أَوْ يَضُرّ بِالِاسْتِقْلَالِ فَقَدْ أَشْرَكَ شِرْكًا جَلِيًّا . قَالَ الْقَاضِي : إِنَّمَا سَمَّاهَا شِرْكًا لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَرَوْنَ مَا يَتَشَاءَمُونَ بِهِ سَبَبًا مُؤَثِّرًا فِي حُصُول الْمَكْرُوه وَمُلَاحَظَة الْأَسْبَاب فِي الْجُمْلَة شِرْك خَفِيّ فَكَيْف إِذَا اِنْضَمَّ إِلَيْهَا جَهَالَة وَسُوء اِعْتِقَاد
( ثَلَاثًا )
مُبَالَغَة فِي الزَّجْر عَنْهَا
( وَمَا مِنَّا )
أَيْ أَحَد
( إِلَّا )
أَيْ إِلَّا مَنْ يَخْطِر لَهُ مِنْ جِهَة الطِّيَرَة شَيْء مَا لِتَعَوُّدِ النُّفُوس بِهَا ، فَحُذِفَ الْمُسْتَثْنَى كَرَاهَة أَنْ يُتَلَفَّظ بِهِ . قَالَ التُّورْبَشْتِيُّ : أَيْ إِلَّا مَنْ يَعْرِض لَهُ الْوَهْم مِنْ قِبَل الطِّيَرَة وَكَرِهَ أَنْ يُتِمّ كَلَامه ذَلِكَ لِمَا يَتَضَمَّنهُ مِنْ الْحَالَة الْمَكْرُوهَة ، وَهَذَا نَوْع مِنْ أَدَب الْكَلَام يَكْتَفِي دُون الْمَكْرُوه مِنْهُ بِالْإِشَارَةِ فَلَا يَضْرِب لِنَفْسِهِ مَثَل السَّوْء .
قَالَ الْخَطَّابِيُّ : مَعْنَاهُ إِلَّا مَنْ قَدْ يَعْتَرِيه الطِّيَرَة وَيَسْبِق إِلَى قَلْبه الْكَرَاهَة فِيهِ فَحُذِفَ اِخْتِصَارًا لِلْكَلَامِ وَاعْتِمَادًا عَلَى فَهْم السَّامِع اِنْتَهَى . قَالَ السُّيُوطِيّ : وَذَلِكَ الْحَذْف يُسَمَّى فِي الْبَدِيع بِالِاكْتِفَاءِ ، وَهَذِهِ الْجُمْلَة أَيْ مِنْ قَوْله وَمَا مِنَّا إِلَى آخِره لَيْسَتْ مِنْ قَوْل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِنَّمَا هُوَ قَوْل عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود رَضِيَ اللَّه عَنْهُ وَهُوَ الصَّوَاب .
قَالَ الشَّيْخ عِزّ الدِّين بْن عَبْد السَّلَام : الْفَرْق بَيْن الطِّيَرَة وَالتَّطَيُّر أَنَّ التَّطَيُّر هُوَ الظَّنّ السَّيِّئ الَّذِي فِي الْقَلْب ، وَالطِّيَرَة هُوَ الْفِعْل الْمُرَتَّب عَلَى الظَّنّ السَّيِّئ
( وَلَكِنَّ اللَّه يُذْهِبهُ )
مِنْ الْإِذْهَاب
( بِالتَّوَكُّلِ )
أَيْ بِسَبَبِ الِاعْتِمَاد عَلَيْهِ وَالِاسْتِنَاد إِلَيْهِ سُبْحَانه . وَحَاصِله أَنَّ الْخَطْرَة لَيْسَ بِهَا عِبْرَة ، فَإِنْ وَقَعَتْ غَفْلَة لَا بُدّ مِنْ رَجْعَة وَاَللَّه أَعْلَم .
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَهْ . وَقَالَ التِّرْمِذِيّ حَسَن صَحِيح لَا نَعْرِفهُ إِلَّا مِنْ حَدِيث مَسْلَمَةَ بْن كُهَيْل .
وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : وَقَالَ مُحَمَّد بْن إِسْمَاعِيل : كَانَ سُلَيْمَان بْن حَرْب يُنْكِر هَذَا @
الصفحة 406