كتاب عون المعبود شرح سنن أبي داود (ط. المكبتة السلفية) (اسم الجزء: 10)
وَقَالَ فِي النِّهَايَة : مَعْنَاهُ لَا يَنْبَغِي ذَلِكَ إِلَّا لِأَمِيرٍ يَعِظ النَّاس وَيُخْبِرهُمْ بِمَا مَضَى لِيَعْتَبِرُوا ، أَوْ مَأْمُور بِذَلِكَ فَيَكُون حُكْمه حُكْم الْأَمِير وَلَا يَقُصّ تَكَسُّبًا ، أَوْ يَكُون الْقَاصّ مُخْتَالًا يَفْعَل ذَلِكَ تَكَبُّرًا عَلَى النَّاس أَوْ مُرَائِيًا يُرَائِي النَّاس بِقَوْلِهِ وَعِلْمه ، لَا يَكُون وَعْظه وَكَلَامه حَقِيقَة .
وَقِيلَ : أَرَادَ الْخُطْبَة لِأَنَّ الْأُمَرَاء كَانُوا يَلُونَهَا فِي الْأَوَّل وَيَعِظُونَ النَّاس فِيهَا وَيَقُصُّونَ عَلَيْهِمْ أَخْبَار الْأُمَم السَّالِفَة اِنْتَهَى .
قَالَ الْخَطَّابِيُّ : بَلَغَنِي عَنْ اِبْن سُرَيْج أَنَّهُ كَانَ يَقُول هَذَا فِي الْخُطْبَة ، وَكَانَ الْأُمَرَاء يَلُونَ الْخُطَب وَيَعِظُونَ النَّاس وَيُذَكِّرُونَهُمْ فِيهَا ، فَأَمَّا الْمَأْمُور فَهُوَ مَنْ يُقِيمهُ الْإِمَام خَطِيبًا فَيَقُصّ النَّاس وَيَقُصّ عَلَيْهِمْ ، وَالْمُخْتَال هُوَ الَّذِي نَصَّبَ نَفْسه لِذَلِكَ مِنْ غَيْر أَنْ يُؤْمَر بِهِ وَيَقُصّ عَلَى النَّاس طَلَبًا لِلرِّيَاسَةِ ، فَهُوَ الَّذِي يُرَائِي بِذَلِكَ وَيَخْتَال .
وَقَدْ قِيلَ إِنَّ الْمُتَكَلِّمِينَ عَلَى النَّاس ثَلَاثَة أَصْنَاف مُذَكِّر وَوَاعِظ وَقَاصّ ، فَالْمُذَكِّر الَّذِي يُذَكِّر النَّاس آلَاءَ اللَّه وَنَعْمَاءَهُ ، وَيَبْعَثهُمْ بِهِ عَلَى الشُّكْر لَهُ ، وَالْوَاعِظ يُخَوِّفهُمْ بِاَللَّهِ وَيُنْذِرهُمْ عُقُوبَته فَيَرْدَعهُمْ بِهِ عَنْ الْمَعَاصِي ، وَالْقَاصّ هُوَ الَّذِي يَرْوِي لَهُمْ أَخْبَار الْمَاضِينَ وَيَسْرُد لَهُمْ الْقَصَص فَلَا يَأْمَن أَنْ يَزِيد فِيهَا أَوْ يَنْقُص . وَالْمُذَكِّر وَالْوَاعِظ مَأْمُون عَلَيْهِمَا ذَلِكَ اِنْتَهَى .
وَقَالَ السِّنْدِيُّ : الْقَصّ التَّحَدُّث بِالْقَصَصِ وَيُسْتَعْمَل فِي الْوَعْظ ، وَالْمُخْتَال هُوَ الْمُتَكَبِّر ، قِيلَ هَذَا فِي الْخُطْبَة ، وَالْخُطْبَة مِنْ وَظِيفَة الْإِمَام ، فَإِنْ شَاءَ خَطَبَ بِنَفْسِهِ ، وَإِنْ شَاءَ نَصَّبَ نَائِبًا يَخْطُب عَنْهُ وَأَمَّا مَنْ لَيْسَ بِإِمَامٍ وَلَا نَائِبٍ عَنْهُ @
الصفحة 99