كتاب عون المعبود شرح سنن أبي داود (ط. المكبتة السلفية) (اسم الجزء: 11)
وَالْحَدِيث يَدُلّ عَلَى تَحْرِيم جَرّ الثَّوْب خُيَلَاء وَالْمُرَاد بِجَرِّهِ هُوَ جَرّه عَلَى وَجْه الْأَرْض وَهُوَ الْمُوَافِق لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " مَا أَسْفَل مِنْ الْكَعْبَيْنِ مِنْ الْإِزَار فِي النَّار كَمَا سَيَأْتِي . وَظَاهِر الْحَدِيث أَنَّ الْإِسْبَال مُحَرَّم عَلَى الرِّجَال وَالنِّسَاء لِمَا فِي صِيغَة مَنْ فِي قَوْله مَنْ جَرَّ مِنْ الْعُمُوم وَلَكِنَّهُ قَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى جَوَاز الْإِسْبَال لِلنِّسَاءِ كَمَا صَرَّحَ بِذَلِكَ اِبْن رَسْلَان فِي شَرْح السُّنَن . وَظَاهِر التَّقْيِيد بِقَوْلِهِ خُيَلَاء يَدُلّ بِمَفْهُومِهِ أَنَّ جَرّ الثَّوْب لِغَيْرِ الْخُيَلَاء لَا يَكُون دَاخِلًا فِي هَذَا الْوَعِيد .
قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ : مَفْهُومه أَنَّ الْجَارّ لِغَيْرِ الْخُيَلَاء لَا يَلْحَقهُ الْوَعِيد إِلَّا أَنَّهُ مَذْمُوم وَقَالَ النَّوَوِيّ لَا يَجُوز الْإِسْبَال تَحْت الْكَعْبَيْنِ إِنْ كَانَ لِلْخُيَلَاءِ ، فَإِنْ كَانَ لِغَيْرِهَا فَهُوَ مَكْرُوه .
قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : لَا يَجُوز لِلرَّجُلِ أَنْ يُجَاوِز بِثَوْبِهِ كَعْبه وَيَقُول لَا أَجُرّهُ خُيَلَاء لِأَنَّ النَّهْي قَدْ تَنَاوَلَهُ لَفْظًا وَلَا يَجُوز تَنَاوُله لَفْظًا أَنْ يُخَالِفهُ إِذْ صَارَ حُكْمه أَنْ يَقُول لَا أَمْتَثِلهُ لِأَنَّ تِلْكَ الْعِلَّة لَيْسَتْ فِيَّ فَإِنَّهَا دَعْوَى غَيْر مُسَلَّمَة ، بَلْ إِطَالَة ذَيْله دَالَّة عَلَى تَكَبُّره اِنْتَهَى . وَحَاصِله أَنَّ الْإِسْبَال يَسْتَلْزِم جَرّ الثَّوْب وَجَرّ الثَّوْب يَسْتَلْزِم الْخُيَلَاء وَلَوْ لَمْ يَقْصِدهُ اللَّابِس . وَيَدُلّ عَلَى عَدَم اِعْتِبَار التَّقْيِيد بِالْخُيَلَاءِ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " إِيَّاكَ وَإِسْبَال الْإِزَار فَإِنَّهَا مِنْ الْمَخِيلَة " كَمَا سَبَقَ فِي حَدِيث جَابِر بْن سُلَيْم وَحَدِيث أَبِي أُمَامَةَ قَالَ " بَيْنَمَا نَحْنُ مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ لَحِقَ بِنَا عَمْرو بْن زُرَارَةَ الْأَنْصَارِيّ فِي حُلَّة إِزَار وَرِدَاء قَدْ أَسْبَلَ فَجَعَلَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْخُذ بِنَاحِيهِ ثَوْبه وَيَتَوَاضَع لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَيَقُول عَبْدك وَابْن عَبْدك وَأَمَتك حَتَّى سَمِعَهَا عَمْرو فَقَالَ يَا رَسُول اللَّه إِنِّي أَحْمَش السَّاقَيْنِ ، فَقَالَ يَا عَمْرو إِنَّ اللَّه تَعَالَى أَحْسَنَ كُلّ شَيْء خَلَقَهُ يَا عَمْرو إِنَّ اللَّه لَا يُحِبّ الْمُسْبِل " أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ وَرِجَاله@
الصفحة 142