كتاب عون المعبود شرح سنن أبي داود (ط. المكبتة السلفية) (اسم الجزء: 11)
فَكَيْف اِخْتَارَ الْأَكْثَرُونَ الْأَوَّل دُون الثَّانِي
قُلْت : لَا شَكّ أَنَّ الْعَرَب يُكَنُّونَ عَنْ الْحَرْب بِدَوَرَانِ الرَّحَى لَكِنْ إِذَا كَانَ فِي الْكَلَام ذِكْر الْحَرْب صَرَاحَة أَوْ إِشَارَة ، وَلَيْسَ فِي الْحَدِيث ذِكْر الْحَرْب أَصْلًا . قَالَ التُّورْبَشْتِيُّ رَحِمَهُ اللَّه : إِنَّهُمْ يُكَنُّونَ عَنْ اِشْتِدَاد الْحَرْب بِدَوَرَانِ الرَّحَى وَيَقُولُونَ دَارَتْ رَحَى الْحَرْب أَيْ اِسْتَتَبَّ أَمْرهَا وَلَمْ تَجِدهُمْ اِسْتَعْمَلُوا دَوَرَان الرَّحَى فِي أَمْر الْحَرْب مِنْ غَيْر جَرَيَان ذِكْرهَا أَوْ الْإِشَارَة إِلَيْهَا ، وَفِي هَذَا الْحَدِيث لَمْ يَذْكُر الْحَرْب وَإِنَّمَا قَالَ رَحَى الْإِسْلَام فَالْأَشْبَه أَنَّهُ أَرَادَ بِذَلِكَ أَنَّ الْإِسْلَام يَسْتَتِبّ أَمْره وَيَدُوم عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ الْمُدَّة الْمَذْكُورَة فِي الْحَدِيث .
وَيَصِحّ أَنْ يُسْتَعَار دَوَرَان الرَّحَى فِي الْأَمْر الَّذِي يَقُوم لِصَاحِبِهِ وَيَسْتَمِرّ لَهُ ، فَإِنَّ الرَّحَى تُوجَد عَلَى نَعْت الْكَمَال مَا دَامَتْ دَائِرَة مُسْتَمِرَّة ، وَيُقَال فُلَان صَاحِب دَارَتهمْ إِذَا كَانَ أَمْرهمْ يَدُور عَلَيْهِ ، وَرَحَى الْغَيْث مُعْظَمه ، وَيُؤَيِّد مَا ذَهَبْنَا إِلَيْهِ مَا رَوَاهُ الْحَرْبِيّ فِي بَعْض طُرُقه تَزُول رَحَى الْإِسْلَام مَكَان تَدُور ثُمَّ قَالَ : كَأَنَّ تَزُول أَقْرَب لِأَنَّهَا تَزُول عَنْ ثُبُوتهَا وَاسْتِقْرَارهَا . وَكَلَام التُّورْبَشْتِيّ هَذَا ذَكَرَهُ الْقَارِي فِي الْمِرْقَاة .
وَقَالَ اِبْن الْأَثِير فِي النِّهَايَة : يُقَال دَارَتْ رَحَى الْحَرْب إِذَا قَامَتْ عَلَى سَاقهَا ، وَأَصْل الرَّحَى الَّتِي يُطْحَن بِهَا ، وَالْمَعْنَى أَنَّ الْإِسْلَام يَمْتَدّ قِيَام أَمْره عَلَى سُنَن الِاسْتِقَامَة ، وَالْبُعْد مِنْ إِحْدَاثَات الظَّلَمَة إِلَى تَقَضِّي هَذِهِ الْمُدَّة الَّتِي هِيَ بِضْع وَثَمَانُونَ اِنْتَهَى .
ثُمَّ اِعْلَمْ أَنَّ اللَّام فِي قَوْله لِخَمْسٍ لِلْوَقْتِ أَوْ بِمَعْنَى إِلَى . قَالَ الْأَرْدَبِيلِيُّ : وَاللَّام فِي لِخَمْسٍ لِلْوَقْتِ كَمَا لَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِق لِرَمَضَان أَيْ وَقْته .@
الصفحة 328