كتاب عون المعبود شرح سنن أبي داود (ط. المكبتة السلفية) (اسم الجزء: 11)
قَالَ اللَّه تَعَالَى : { أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ } وَقِيلَ بِمَعْنَى إِلَى لِأَنَّ حُرُوف الْجَارَّة يُوضَع بَعْضهَا مَوْضِع بَعْص اِنْتَهَى . قُلْت : كَوْن اللَّام فِي لِخَمْسٍ بِمَعْنَى إِلَى هُوَ الْأَظْهَر كَمَا لَا يَخْفَى .
فَإِنْ قُلْت : قَدْ ذَكَرَ فِي الْحَدِيث اِنْتِهَاء مُدَّة دَوَرَان رَحَى الْإِسْلَام وَلَمْ يَذْكُر فِيهِ اِبْتِدَاء مُدَّته فَمِنْ أَيّ وَقْت يُرَاد الِابْتِدَاء .
قُلْت : يَجُوز أَنْ يُرَاد الِابْتِدَاء مِنْ الْهِجْرَة أَوْ مِنْ الزَّمَان الَّذِي بَقِيَتْ فِيهِ مِنْ عُمْره صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَمْس سِنِينَ أَوْ سِتّ سِنِينَ .
قَالَ فِي جَامِع الْأُصُول : قِيلَ إِنَّ الْإِسْلَام عِنْد قِيَام أَمْره عَلَى سُنَن الِاسْتِقَامَة وَالْبُعْد مِنْ إِحْدَاثَات الظَّلَمَة إِلَى أَنْ يَنْقَضِي مُدَّة خَمْس وَثَلَاثِينَ سَنَة ، وَوَجْهه أَنْ يَكُون قَدْ قَالَهُ وَقَدْ بَقِيَتْ مِنْ عُمْره صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَمْس سِنِينَ أَوْ سِتّ فَإِذَا اِنْضَمَّتْ إِلَى مُدَّة خِلَافَة الْخُلَفَاء الرَّاشِدِينَ وَهِيَ ثَلَاثُونَ سَنَة كَانَتْ بَالِغَة ذَلِكَ الْمَبْلَغ ، وَإِنْ كَانَ أَرَادَ سَنَة خَمْس وَثَلَاثِينَ مِنْ الْهِجْرَة ، فَفِيهَا خَرَجَ أَهْل مِصْر وَحَصَرُوا عُثْمَان رَضِيَ اللَّه عَنْهُ ، وَإِنْ كَانَتْ سَنَة سِتّ وَثَلَاثِينَ فَفِيهَا كَانَتْ وَقْعَة الْجَمَل ، وَإِنْ كَانَتْ سَنَة سَبْع وَثَلَاثِينَ فَفِيهَا كَانَتْ وَقْعَة الصِّفِّين اِنْتَهَى .
( فَإِنْ يَهْلِكُوا فَسَبِيل مَنْ هَلَكَ وَإِنْ يَقُمْ لَهُمْ دِينهمْ يَقُمْ لَهُمْ سَبْعِينَ عَامًا )
: اِعْلَمْ أَنَّهُمْ لَمَّا اِخْتَلَفُوا فِي الْمُرَاد بِدَوَرَانِ رَحَى الْإِسْلَام عَلَى الْقَوْلَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ اِخْتَلَفُوا فِي بَيَان مَعْنَى هَذَا الْكَلَام وَتَفْسِيره أَيْضًا عَلَى قَوْلَيْنِ ، فَتَفْسِير هَذَا الْكَلَام عَلَى قَوْل الْأَكْثَرِينَ هَكَذَا ، فَقَوْله : فَإِنْ يَهْلِكُوا يَعْنِي بِالتَّغْيِيرِ وَالتَّبْدِيل وَالتَّحْرِيف وَالْخُرُوج عَلَى الْإِمَام وَبِالْمَعَاصِي وَالْمَظَالِم وَتَرْك الْحُدُود وَإِقَامَتهَا ، وَقَوْله : فَسَبِيل مَنْ هَلَكَ أَيْ فَسَبِيلهمْ فِي الْهَلَاك بِالتَّغْيِيرِ وَالتَّبْدِيل وَالْوَهْن فِي الدِّين سَبِيل مَنْ هَلَكَ مِنْ الْأُمَم السَّالِفَة وَالْقُرُون الْمَاضِيَة فِي الْهَلَاك بِالتَّغْيِيرِ وَالتَّبْدِيل وَالْوَهْن@
الصفحة 329