كتاب عون المعبود شرح سنن أبي داود (ط. المكبتة السلفية) (اسم الجزء: 12)

بِشَهَادَةِ الشُّهُود أَيْ الْبَيِّنَة عَلَى اِعْتِرَافهمَا وَرُدَّ هَذَا التَّأْوِيل بِقَوْلِهِ فِي نَفْس الْحَدِيث أَنَّهُمْ رَأَوْا ذَكَرَهُ فِي فَرْجهَا كَالْمِيلِ فِي الْمُكْحُلَة وَهُوَ صَرِيح فِي أَنَّ الشَّهَادَة بِالْمُشَاهَدَةِ لَا بِالِاعْتِرَافِ .
وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ الْجُمْهُور عَلَى أَنَّ الْكَافِر لَا تُقْبَل شَهَادَته عَلَى مُسْلِم وَلَا كَافِر لَا فِي حَدّ وَلَا فِي غَيْره وَلَا فَرْق بَيْن السَّفَر وَالْحَضَر فِي ذَلِكَ . وَقَبِلَ شَهَادَتهمْ جَمَاعَة مِنْ التَّابِعِينَ وَبَعْض الْفُقَهَاء إِذَا لَمْ يُوجَد مُسْلِم . وَاسْتَثْنَى أَحْمَد حَالَة السَّفَر إِذَا لَمْ يُوجَد مُسْلِم . وَأَجَابَ الْقُرْطُبِيّ عَنْ الْجُمْهُور عَنْ وَاقِعَة الْيَهُود أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَفَّذَ عَلَيْهِمْ مَا عَلِمَ أَنَّهُ حُكْم التَّوْرَاة وَأَلْزَمَهُمْ الْعَمَل بِهِ إِظْهَارًا لِتَحْرِيفِهِمْ كِتَابهمْ وَتَغْيِيرهمْ حُكْمه أَوْ كَانَ ذَلِكَ خَاصًّا بِهَذِهِ الْوَاقِعَة كَذَا قَالَ . وَالثَّانِي مَرْدُود .
وَقَالَ النَّوَوِيّ : الظَّاهِر أَنَّهُ رَجَمَهُمَا بِالِاعْتِرَافِ ، فَإِنْ ثَبَتَ حَدِيث جَابِر فَلَعَلَّ الشُّهُود كَانُوا مُسْلِمِينَ وَإِلَّا فَلَا عِبْرَة بِشَهَادَتِهِمْ وَيَتَعَيَّن أَنَّهُمَا أَقَرَّا بِالزِّنَا . قَالَ الْحَافِظ : بَعْد ذِكْر هَذَا كُلّه لَمْ يَثْبُت أَنَّهُمْ كَانُوا مُسْلِمِينَ ، وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الشُّهُود أَخْبَرُوا بِذَلِكَ السُّؤَال بَقِيَّة الْيَهُود لَهُمْ فَسَمِعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَلَامهمْ وَلَمْ يَحْكُم فِيهِمْ إِلَّا مُسْتَنِدًا لِمَا أَطْلَعَهُ اللَّه تَعَالَى فَحَكَمَ فِي ذَلِكَ بِالْوَحْيِ وَأَلْزَمَهُمْ الْحُجَّة بَيْنهمْ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى { وَشَهِدَ شَاهِد مِنْ أَهْلهَا } أَوْ أَنَّ شُهُودهمْ شَهِدُوا عَلَيْهِمْ عِنْد أَحْبَارهمْ بِمَا ذُكِرَ فَلَمَّا رَفَعُوا الْأَمْر إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِسْتَعْلَمَ الْقِصَّة عَلَى وَجْههَا ، فَذَكَرَ كُلّ مَنْ حَضَرَهُ مِنْ الرُّوَاة مَا حَفِظَهُ فِي ذَلِكَ وَلَمْ يَكُنْ مُسْتَنَد حُكْم النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا مَا أَطْلَعَهُ اللَّه عَلَيْهِ اِنْتَهَى .@

الصفحة 144