كتاب عون المعبود شرح سنن أبي داود (ط. المكبتة السلفية) (اسم الجزء: 12)
وَقَوْلهمْ إِنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُتِيَ بِرَجُلٍ قَدْ شَرِبَ بِالرَّابِعَةِ فَضَرَبَهُ وَلَمْ يَقْتُلهُ لَا يَصْلُح لِرَدِّ هَذِهِ الْأَحَادِيث لِوُجُوهٍ ، الْأَوَّل أَنَّهُ مُرْسَل إِذْ رَاوِيه قَبِيصَة وُلِدَ يَوْم الْفَتْح فَكَانَ عُمْره عِنْد مَوْته صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَنَتَيْنِ وَأَشْهُرًا فَلَمْ يُدْرِك شَيْئًا يَرْوِيه .
الثَّانِي : أَنَّهُ لَوْ كَانَ مُتَّصِلًا صَحِيحًا لَكَانَتْ تِلْكَ الْأَحَادِيث مُقَدَّمَة عَلَيْهِ لِأَنَّهَا أَصَحّ وَأَكْثَر .
الثَّالِث : أَنَّ هَذِهِ وَاقِعَة عَيْن لَا عُمُوم لَهَا .
وَالرَّابِع : أَنَّ هَذَا فِعْل وَالْقَوْل مُقَدَّم عَلَيْهِ لِأَنَّ الْقَوْل تَشْرِيع عَامّ وَالْفِعْل قَدْ يَكُون خَاصًّا .
الْخَامِس : أَنَّ الصَّحَابَة خُصُّوا فِي تَرْك الْحُدُود بِمَا لَمْ يُخَصّ بِهِ غَيْرهمْ فَلِأَجْلِ ذَلِكَ لَا يُفَسَّقُونَ بِمَا يُفَسَّق بِهِ غَيْرهمْ خُصُوصِيَّة لَهُمْ ، وَقَدْ وَرَدَ بِقِصَّةِ نُعْمَان لَمَّا قَالَ عُمَر أَخْزَاهُ اللَّه مَا أَكْثَر مَا يُؤْتَى بِهِ ، فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا تَطْعَنهُ فَإِنَّهُ يُحِبّ اللَّه وَرَسُوله ، فَعَلِمَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ بَاطِنه صِدْق مَحَبَّته لِلَّهِ وَرَسُوله فَأَكْرَمَهُ بِتَرْكِ الْقَتْل ، فَلَهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَخُصّ مَنْ شَاءَ بِمَا شَاءَ مِنْ الْأَحْكَام فَلَا أَقْبَل هَذَا الْحَدِيث إِلَّا بِنَصٍّ صَرِيح مِنْ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ لَا يُوجَد .
وَقَدْ تَرَكَ عُمَر إِقَامَة حَدّ الْخَمْر عَلَى فُلَان لِأَنَّهُ مِنْ أَهْل بَدْر ، وَقَدْ وَرَدَ فِيهِمْ : " اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْت لَكُمْ " وَتَرَكَ سَعْد بْن أَبِي وَقَّاص إِقَامَته عَلَى أَبِي مِحْجَن لِحُسْنِ بَلَائِهِ فِي قِتَال الْكُفَّار فَالصَّحَابَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ جَمِيعًا جَدِيرُونَ بِالرُّخْصَةِ إِذَا بَدَتْ مِنْ أَحَدهمْ زَلَّة .
وَأَمَّا هَؤُلَاءِ الْمُدْمِنُونَ لِلْخَمْرِ الْفَسَقَة الْمَعْرُوفُونَ بِأَنْوَاعِ الْفَسَاد ، وَظُلْم الْعِبَاد ، وَتَرْك الصَّلَاة ، وَمُجَاوَزَة الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة ، وَإِطْلَاق أَنْفُسهمْ بِحَالِ سُكْرهمْ @
الصفحة 185