كتاب عون المعبود شرح سنن أبي داود (ط. المكبتة السلفية) (اسم الجزء: 12)

فَقَالَ الشَّافِعِيّ : لَا يَبْلُغ أَدْنَى الْحُدُود وَهَلْ الِاعْتِبَار بِحَدِّ الْحُرّ أَوْ الْعَبْد قَوْلَانِ .
وَقَالَ الْآخَرُونَ هُوَ إِلَى رَأْي الْإِمَام بَالِغًا مَا بَلَغَ ، وَأَجَابُوا عَنْ ظَاهِر الْحَدِيث بِوُجُوهٍ مِنْهَا الطَّعْن فِيهِ ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ اِتَّفَقَ الشَّيْخَانِ عَلَى تَصْحِيحه وَهُمَا الْعُمْدَة فِي التَّصْحِيح ، وَمِنْهَا أَنَّ عَمَل الصَّحَابَة بِخِلَافِهِ يَقْتَضِي نَسْخَهُ ، فَقَدْ كَتَبَ عُمَر إِلَى أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ أَنْ لَا تَبْلُغ بِنَكَالٍ أَكْثَر مِنْ عِشْرِينَ سَوْطًا . وَعَنْ عُثْمَان ثَلَاثِينَ . وَضَرَبَ عُمَر أَكْثَر مِنْ الْحَدّ أَوْ مِنْ مِائَة وَأَقَرَّهُ الصَّحَابَة .
وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَم فِي مِثْل ذَلِكَ النَّسْخ . وَمِنْهَا حَمْله عَلَى وَاقِعَة عَيْن بِذَنْبٍ مُعَيَّن أَوْ رَجُل مُعَيَّن قَالَهُ الْمَاوَرْدِيّ وَفِيهِ نَظَر ذَكَرَهُ الْقَسْطَلَّانِيّ .
قُلْت : وَمِنْ وُجُوه الْجَوَاب قَصْره عَلَى الْجَلْد ، وَأَمَّا الضَّرْب بِالْعَصَا مَثَلًا وَبِالْيَدِ فَتَجُوز الزِّيَادَة ، لَكِنْ لَا يُجَاوِز أَدْنَى الْحُدُود ، وَهَذَا رَأْي الْإِصْطَخْرِيِّ مِنْ الشَّافِعِيَّة .
قَالَ الْحَافِظ : كَأَنَّهُ لَمْ يَقِف عَلَى الرِّوَايَة الْوَارِدَة بِلَفْظِ الضَّرْب اِنْتَهَى . وَلَيْسَ فِي أَيْدِي الَّذِينَ لَيْسُوا بِقَائِلِينَ بِظَاهِرِ الْحَدِيث جَوَاب شَافٍ .
قَالَ فِي النَّيْل : قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : عَنْ الصَّحَابَة آثَار مُخْتَلِفَة فِي مِقْدَار التَّعْزِير ، وَأَحْسَن مَا يُصَار إِلَيْهِ فِي هَذَا مَا ثَبَتَ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيث أَبِي بُرْدَة الْمَذْكُور .
قَالَ الْحَافِظ : فَتَبَيَّنَ بِمَا نَقَلَهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ الصَّحَابَة أَنْ لَا اِتِّفَاق عَلَى عَمَل فِي ذَلِكَ ، فَكَيْف يُدَّعَى نَسْخ الْحَدِيث الثَّابِت وَيُصَار إِلَى مَا يُخَالِفهُ مِنْ غَيْر بُرْهَان اِنْتَهَى .
قَالَ الْمُنْذِرِيّ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْن مَاجَهْ .@

الصفحة 202