كتاب حاشية ابن القيم على سنن أبي داود (ط. المكبتة السلفية) (اسم الجزء: 12)

والعصا ويكون إنما ضربه بيده أو رجله فكانت العقوبة بحسب الإمكان في ذلك أقرب إلى العدل الذي أنزل الله به كتبه وأرسل به رسله
قالوا وقد دل الكتاب والسنة في أكثر من مائة موضع على أن الجزاء من جنس العمل في الخير والشر كما قال تعالى جزاء وفاقا أي وفق أعمالهم وهذا ثابت شرعا وقدرا
أما الشرع
فلقوله تعالى وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص فأخبر سبحانه أن
الجروح قصاص مع أن الجارح قد يشتد عذابه إذا فعل به كما فعل حتى يستوفي منه
وقد ثبت عن النبي أنه رضخ رأس اليهودي كما رضخ رأس الجارية وهذا القتل قصاص لأنه لو كان لنقض العهد أو للحرابة لكان بالسيف
ولا يرضخ الرأس
ولهذا كان أصح الأقوال أنه يفعل بالجاني مثل ما فعل بالمجني عليه ما لم يكن محرما لحق الله كالقتل باللواطة وتجريع الخمر ونحوه فيحرق كما حرق ويلقى من شاهق كما فعل ويخنق كما خنق لأن هذا أقرب إلى العدل
وحصول مسمى القصاص وإدراك الثأر والتشفي والزجر المطلوب من القصاص
وهذا مذهب مالك والشافعي وإحدى الروايات عن أحمد
قالوا وأما كون القصاص لا يجب في الجرح حتى ينتهي إلى حد ولا في الطرف حتى ينتهي إلى مفصل لتحقق المماثلة فهذا إنما اشترط لئلا يزيد المقتص على مقدار الجناية فيصير عليه مظلوما بذهاب ذلك الجزء فتعذرت المماثلة فصرنا إلى الدية وهذا بخلاف اللطمة والضربة فإنه لو قدر تعدى المتقضى فيها لم يكن ذلك بذهاب جزء بل بزيادة ألم وهذا لا يمكن الاحتراز منه ولهذا توجبون التعزير مع أن ألمه يكون أضعاف ألم اللطمة والبرد من سن الجاني مقدار ما كسر من سن المجنى عليه مع شدة الألم وكذلك قلع سنه وعينه أو نحو ذلك لا بد فيه من زيادة ألم

الصفحة 273