كتاب عون المعبود شرح سنن أبي داود (ط. المكبتة السلفية) (اسم الجزء: 12)

إِنْ شِئْتُمْ أَنْ أَضْرِبهُمْ إِلَخْ
( أَيْ لَا يَجِب الضَّرْب إِلَّا بَعْد الِاعْتِرَاف )
: أَيْ بَعْد إِقْرَار السَّرِقَة وَأَمَّا قَبْل الْإِقْرَار فَلَا ، بَلْ يُحْبَس ، قَالَ السِّنْدِيُّ بَعْد ذِكْر قَوْل أَبِي دَاوُدَ هَذَا كَنَّى بِهِ أَنَّهُ لَا يَحِلّ ضَرْبهمْ فَإِنَّهُ لَوْ جَازَ لَجَازَ ضَرْبكُمْ أَيْضًا قِصَاصًا اِنْتَهَى . وَالْحَدِيث فِيهِ دَلِيل عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوز اِمْتِحَان السَّارِق بِالضَّرْبِ بَلْ يُحْبَس
قَالَ الْمُنْذِرِيّ : وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَفِي إِسْنَاده بَقِيَّة بْن الْوَلِيد وَفِيهِ مَقَال .
قَالَ صَاحِبُ عَوْنِ الْمَعْبُودِ :
أَيْ بَاب بَيَان الْقَدْر الَّذِي يُقْطَع فِيهِ السَّارِق . وَاعْلَمْ أَنَّ إِيجَاب قَطْع يَد السَّارِق ثَابِت بِالْقُرْآنِ وَلَمْ يُذْكَر فِي الْقُرْآن نِصَاب مَا يُقْطَع فِيهِ ، فَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء ، فَذَهَبَ الْجُمْهُور إِلَى اِشْتِرَاطه مُسْتَدِلِّينَ بِأَحَادِيث الْبَاب وَنَحْوهَا ، وَذَهَبَ الْحَسَن وَالظَّاهِرِيَّة وَالْخَوَارِج إِلَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَط بَلْ يُقْطَع فِي الْقَلِيل وَالْكَثِير لِإِطْلَاقِ قَوْله تَعَالَى { وَالسَّارِق وَالسَّارِقَة } الْآيَة . وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْآيَة مُطْلَق فِي جِنْس الْمَسْرُوق وَقَدْره وَالْحَدِيث بَيَان لَهَا ، وَاسْتَدَلُّوا أَيْضًا بِبَعْضِ الْأَحَادِيث الَّتِي لَا يَثْبُت مِنْهَا عَدَم اِشْتِرَاط النِّصَاب الْبَتَّة . وَالْحَقّ هُوَ مَذْهَب الْجُمْهُور ، وَاخْتَلَفُوا بَعْد اِشْتِرَاطهمْ لَهُ عَلَى أَقْوَال بَلَغَتْ إِلَى عِشْرِينَ قَوْلًا ، وَاَلَّذِي قَامَ الدَّلِيل عَلَيْهِ مِنْهَا قَوْلَانِ : الْأَوَّل : أَنَّ النِّصَاب الَّذِي تُقْطَع بِهِ رُبْع دِينَار مِنْ الذَّهَب وَثَلَاثَة دَرَاهِم مِنْ الْفِضَّة وَهَذَا مَذْهَب فُقَهَاء الْحِجَاز وَالشَّافِعِيّ وَغَيْرهمْ . وَالثَّانِي : أَنَّهُ عَشَرَة دَرَاهِم وَهَذَا مَذْهَب أَكْثَر أَهْل الْعِرَاق ، وَالرَّاجِح مِنْ هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ هُوَ الْقَوْل الْأَوَّل ، هَذَا تَلْخِيص مَا قَالَهُ صَاحِب السُّبُل . قُلْت : وَقَدْ بَيَّنَ الْحَافِظ فِي الْفَتْح جَمِيع الْأَقْوَال الْمُخْتَلَف فِي قَدْر النِّصَاب بِالتَّفْصِيلِ مَنْ أَرَادَ الِاطِّلَاع فَلْيَرْجِعْ إِلَيْهِ .@

الصفحة 49