كتاب عون المعبود شرح سنن أبي داود (ط. المكبتة السلفية) (اسم الجزء: 13)

نَاحِيَة الْغَفْلَة فَيُخْدَع مَرَّة بَعْد أُخْرَى وَهُوَ لَا يَفْطِن لِذَلِكَ وَلَا يَشْعُر بِهِ وَقَدْ قِيلَ إِنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَام أَرَادَ بِهِ الْخِدَاع فِي أَمْر الْآخِرَة دُون أَمْر الدُّنْيَا . وَالْوَجْه الْآخَر أَنْ تَكُون الرِّوَايَة بِكَسْرِ الْغَيْن عَلَى النَّهْي يَقُول عَلَيْهِ السَّلَام لَا يُخْدَعَن الْمُؤْمِن وَلَا يُؤْتَيَن مِنْ نَاحِيَة الْغَفْلَة فَيَقَع فِي مَكْرُوه أَوْ شَرٍّ وَهُوَ لَا يَشْعُر وَلِيَكُنْ حَذِرًا مُسْتَيْقِظًا ، وَهَذَا قَدْ يَصْلُح أَنْ يَكُون فِي أَمْر الدُّنْيَا وَالْآخِرَة اِنْتَهَى .
وَالْحَدِيث وَرَدَ حِين أَسَرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبَا غُرَّة الشَّاعِر يَوْم بَدْر فَمَنَّ عَلَيْهِ وَعَاهَدَهُ أَنْ لَا يُحَرِّض عَلَيْهِ وَلَا يَهْجُوهُ وَأَطْلَقَهُ فَلَحِقَ بِقَوْمِهِ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى التَّحْرِيض وَالْهِجَاء ثُمَّ أَسَرَهُ يَوْم أُحُد فَسَأَلَهُ الْمَنّ فَقَالَهُ .
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ وَمُسْلِم وَابْن مَاجَهْ .
قَالَ صَاحِبُ عَوْنِ الْمَعْبُودِ :
بِفَتْحِ الرَّاء الْمُهْمَلَة وَسُكُون الْجِيم جَمْع رَاجِل وَهُوَ خِلَاف الْفَارِس . وَالْهَدْي السِّيرَة أَيْ هَذَا بَاب فِي سِيرَة الْمَاشِينَ عَلَى الْقَدَمَيْنِ . وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الرَّجُل بِفَتْحِ الرَّاء وَضَمِّ الْجِيم وَلَكِنْ لَيْسَ الْمُرَاد مِنْهُ هَهُنَا مَعْنَاهُ الْمَعْرُوف ، أَعْنِي الذَّكَر مِنْ نَوْع الْإِنْسَان خِلَاف الْمَرْأَة ، بَلْ الْمُرَاد مِنْهُ هُوَ الرَّاجِل خِلَاف الْفَارِس ، لِأَنَّ الرَّجُل قَدْ يُطْلَق عَلَى الرَّاجِل .
قَالَ فِي لِسَان الْعَرَب : قَدْ يَأْتِي رَجُل بِمَعْنَى رَاجِل ، قَالَ الزِّبْرِقَان بْن بَدْر : آلَيْتَ لِلَّهِ حَجًّا حَافِيًا رَجُلًا إِنْ جَاوَزَ النَّخْل يَمْشِي وَهُوَ مُنْدَفِع وَقَالَ فِي الْمِصْبَاح الْمُنِير : وَيُطْلَق الرَّجُل عَلَى الرَّاجِل وَهُوَ خِلَاف الْفَارِس وَجَمْع الرَّاجِل رَجُل مِثْل صَاحِب وصحب اِنْتَهَى .
4221 -
قَالَ صَاحِبُ عَوْنِ الْمَعْبُودِ :
( كَأَنَّهُ يَتَوَكَّأ )
: قَالَ الْأَزْهَرِيّ : الِاتِّكَاء فِي كَلَام الْعَرَب يَكُون بِمَعْنَى السَّعْي الشَّدِيد ، كَذَا فِي السِّرَاج الْمُنِير .
وَقَالَ فِي فَتْح الْوَدُود : أَيْ يَمِيل إِلَى قُدَّام . وَالْحَدِيث سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ .
4222 -
قَالَ صَاحِبُ عَوْنِ الْمَعْبُودِ :
( كَأَنَّمَا يَهْوِي فِي صَبُوبٍ )
: أَيْ يَنْزِل فِي مَوْضِع مُنْخَفِض .
قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي مُلَخَّصه : إِنَّ الصَّبُوبَ بِفَتْحِ الصَّاد اِسْم لِمَا يُصَبّ عَلَى الْإِنْسَان مِنْ مَاء وَنَحْوه ، وَمَنْ رَوَاهُ الصُّبُوبَ بِضَمِّ الصَّاد عَلَى أَنَّهُ جَمْع الصَّبَب وَمَا اِنْحَدَرَ مِنْ الْأَرْض فَقَدْ خَالَفَ الْقِيَاس لِأَنَّ بَاب فَعَل لَا يُجْمَع عَلَى فُعُول بَلْ عَلَى أَفْعَال كَسَبَبٍ وَأَسْبَاب ، وَقَدْ جَاءَ فِي أَكْثَر الرِّوَايَات كَأَنَّمَا يَمْشِي فِي صَبَب وَهُوَ الْمَحْفُوظ اِنْتَهَى . وَفِي النِّهَايَة : وَفِي صِفَته صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا مَشَى كَأَنَّمَا يَنْحَطّ فِي صَبَب أَيْ فِي مَوْضِع مُنْحَدِر . وَفِي رِوَايَة كَأَنَّمَا يَهْوِي مِنْ صَبُوبٍ يُرْوَى بِالْفَتْحِ وَالضَّمّ ، فَالْفَتْح اِسْم لِمَا يُصَبّ عَلَى الْإِنْسَان مِنْ مَاء وَغَيْره كَالطَّهُورِ وَالْغَسُول ، وَالضَّمّ جَمْع صَبَب اِنْتَهَى .
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ مُسْلِم وَالتِّرْمِذِيّ بِنَحْوِهِ .@

الصفحة 212