كتاب عون المعبود شرح سنن أبي داود (ط. المكبتة السلفية) (اسم الجزء: 14)
حَدِيث رَجُل مِنْ بَنِي عَامِر ، عَلَى أَنَّهُ فِي قِصَّة الِاعْتِزَال أَيْضًا مُصَرَّح فِي رِوَايَة أَبِي دَاوُدَ أَنَّ عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ سَلَّمَ عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيم الِاسْتِئْذَان ثُمَّ قَالَ أَيَدْخُلُ عُمَر ، فَهَذَا التَّسْلِيم تَسْلِيم الِاسْتِئْذَان بَعْد تَسْلِيم اللِّقَاء وَقْت صَلَاة الصُّبْح .
وَأَمَّا الثَّالِثَة فَلِأَنَّ عُمَر سَلَّمَ عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيم الِاسْتِئْذَان فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ ، فَرَجَعَ ، ثُمَّ جَاءَ وَاسْتَأْذَنَ ، فَكَيْف يَتْرُكُ عُمَرُ تَسْلِيم الِاسْتِئْذَان ثَانِيًا مَعَ عِلْمِهِ بِذَلِكَ .
وَأَمَّا الرَّابِعَة فَلِأَنَّ عُمَر سَلَّمَ عَلَيْهِ تَسْلِيم الِاسْتِئْذَان أَوَّلًا كَمَا تَدُلُّ عَلَيْهِ رِوَايَة الْمُؤَلِّف فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فَرَجَعَ ، ثُمَّ جَاءَ ثَانِيًا وَاسْتَأْذَنَ ، فَكَيْف يَتْرُك عُمَر تَسْلِيم الِاسْتِئْذَان فَإِذَا أَذِنَ لَهُ دَخَلَ عَلَيْهِ تَسْلِيم اللِّقَاء ، وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ مِنْ التَّكَلُّف وَالتَّعَسُّف ، وَأَحْسَن مِنْهُ أَنْ يُقَال إِنَّ عُمَر أَتَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ فِي مَشْرُبَةٍ لَهُ فَاسْتَأْذَنَ بِوَاسِطَةِ غُلَام لَهُ أَسْوَد فَقَالَ فِي اِسْتِئْذَانه : السَّلَام عَلَيْك يَا رَسُول اللَّه ، السَّلَام عَلَيْكُمْ أَيَدْخُلُ عُمَرُ ، وَقَدْ وَقَعَ الِاسْتِئْذَان مِنْ عُمَر فِي هَذِهِ الْوَاقِعَة ثَلَاث مِرَار عَلَى مَا أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ وَغَيْرهمَا فِي حَدِيث طَوِيل ، اِخْتَصَرَ مِنْهُ الْمُؤَلِّف هَذَا الْحَدِيث .
وَقَدْ دَلَّ هَذَا الْحَدِيث عَلَى طَرِيق اِسْتِئْذَان عُمَر وَهُوَ قَوْله : السَّلَام عَلَيْك يَا رَسُول اللَّه إِلَى آخِره ، وَهَذَا الطَّرِيق هُوَ الَّذِي عَلِمَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا تَقَدَّمَ قَرِيبًا فِي بَاب كَيْف الِاسْتِئْذَانُ مِنْ قَوْلِهِ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَأَدْخُلُ ، وَقَدْ وَرَدَ هَذَا الطَّرِيق فِي عِدَّة أَحَادِيث ذَكَرَهَا الْحَافِظُ اِبْن كَثِير فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ } الْآيَة ، بَلْ قَدْ جَاءَ الِاكْتِفَاء فِي الِاسْتِئْذَان عَلَى مُجَرَّد السَّلَام أَيْضًا كَمَا تَقَدَّمَ فِي ثَالِث أَبْوَاب الِاسْتِئْذَان@
الصفحة 108