كتاب عون المعبود شرح سنن أبي داود (ط. المكبتة السلفية) (اسم الجزء: 14)

وَأَخْرَجَ اِبْن السُّنِّيِّ عَنْ أَنَس قَالَ : " مَا أَخْذ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِ رَجُلٍ فَفَارَقَهُ حَتَّى قَالَ اللَّهُمَّ آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ " .
وَفِيهِ عَنْ أَنَس عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " مَا مِنْ عَبْدَيْنِ مُتَحَابَّيْنِ فِي اللَّه يَسْتَقْبِلُ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ فَيُصَافِحُهُ فَيُصَلِّيَانِ عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا لَمْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى تُغْفَر ذُنُوبُهُمَا مَا تَقَدَّمَ مِنْهَا وَمَا تَأَخَّرَ " اِنْتَهَى . قَالَ النَّوَوِيّ : الْمُصَافَحَة سُنَّة مُجْمَع عَلَيْهَا عِنْد التَّلَاقِي .
قَالَ الْحَافِظ : وَيُسْتَثْنَى مِنْ عُمُوم الْأَمْر بِالْمُصَافَحَةِ الْمَرْأَةُ الْأَجْنَبِيَّةُ وَالْأَمْرَدُ الْحَسَنُ اِنْتَهَى .
وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي كِتَاب الْأَذْكَار : وَاعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الْمُصَافَحَة مُسْتَحَبَّة عِنْد كُلّ لِقَاء ، وَأَمَّا مَا اِعْتَادَهُ النَّاس مِنْ الْمُصَافَحَة بَعْد صَلَاتَيْ الصُّبْح وَالْعَصْر فَلَا أَصْل لَهُ فِي الشَّرْع عَلَى هَذَا الْوَجْه وَلَكِنْ لَا بَأْس بِهِ ، فَإِنَّ أَصْل الْمُصَافَحَة سُنَّة ، وَكَوْنُهُمْ حَافَظُوا عَلَيْهَا فِي بَعْض الْأَحْوَال وَفَرَّطُوا فِيهَا فِي كَثِير مِنْ الْأَحْوَال أَوْ أَكْثَرهَا لَا يَخْرُج ذَلِكَ الْبَعْض عَنْ كَوْنه مِنْ الْمُصَافَحَة الَّتِي وَرَدَ الشَّرْع بِأَصْلِهَا .
وَقَدْ ذَكَرَ الْإِمَام أَبُو مُحَمَّد بْن عَبْد السَّلَام أَنَّ الْبِدَع عَلَى خَمْسَة أَقْسَام : وَاجِبَة وَمُحَرَّمَةٌ وَمَكْرُوهَةٌ وَمُسْتَحَبَّةٌ وَمُبَاحَةٌ ، قَالَ وَمِنْ أَمْثِلَةِ الْبِدَعِ الْمُبَاحَةِ الْمُصَافَحَةُ عَقِبَ الصُّبْح وَالْعَصْر اِنْتَهَى .
وَرَدَّ عَلَيْهِ الْعَلَّامَةُ عَلِيٌّ الْقَارِي فِي شَرْح الْمِشْكَاةِ فَقَالَ : وَلَا يَخْفَى أَنَّ فِي كَلَام الْإِمَام نَوْعُ تَنَاقُضٍ لِأَنَّ إِتْيَان السُّنَّة فِي بَعْض الْأَوْقَات لَا يُسَمَّى بِدْعَةً مَعَ أَنَّ عَمَلَ النَّاسِ فِي الْوَقْتَيْنِ الْمَذْكُورَيْنَ لَيْسَ عَلَى وَجْه الِاسْتِحْبَاب الْمَشْرُوع ، فَإِنَّ مَحَلّ الْمُصَافَحَة الْمَشْرُوعَة أَوَّل الْمُلَاقَاة وَقَدْ يَكُون جَمَاعَة يَتَلَاقَوْنَ مِنْ غَيْر مُصَافَحَة@

الصفحة 120