كتاب عون المعبود شرح سنن أبي داود (ط. المكبتة السلفية) (اسم الجزء: 14)
: الْوَاو لِلْحَالِ
( فَلَمْ أَرَ أَحَدًا يَعْمَلُ بِذَلِكَ بَعْدُ )
: بِالضَّمِّ أَيْ بَعْدمَا جَاءَهُمْ اللَّه بِالسُّتُورِ وَالْخَيْر . وَقَالَ الْإِمَام اِبْن كَثِير فِي تَفْسِيره تَحْتَ قَوْله تَعَالَى { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمْ الَّذِينَ } إِلَخْ : هَذِهِ الْآيَات الْكَرِيمَة اِشْتَمَلَتْ عَلَى اِسْتِئْذَان الْأَقَارِب بَعْضهمْ عَلَى بَعْض ، وَمَا تَقَدَّمَ فِي أَوَّل السُّورَة فَهُوَ اِسْتِئْذَان الْأَجَانِب بَعْضهمْ عَلَى بَعْض ، فَأَمَرَ اللَّه تَعَالَى الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَسْتَأْذِنَهُمْ خَدَمُهُمْ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ وَأَطْفَالُهُمْ الَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْهُمْ فِي ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ ، مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْغَدَاةِ لِأَنَّ النَّاس إِذْ ذَاكَ يَكُونُونَ نِيَامًا فِي فُرُشِهِمْ ، وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابكُمْ مِنْ الظَّهِيرَة أَيْ فِي وَقْت الْقَيْلُولَة لِأَنَّ الْإِنْسَان قَدْ يَضَع ثِيَابه فِي تِلْكَ الْحَال مَعَ أَهْله ، وَمِنْ بَعْد صَلَاة الْعِشَاء لِأَنَّهُ وَقْت النَّوْم فَيُؤْمَر الْخَدَم وَالْأَطْفَال أَنْ لَا يَهْجُمُوا عَلَى أَهْل الْبَيْت فِي هَذِهِ الْأَحْوَال لِمَا يُخْشَى مِنْ أَنْ يَكُون الرَّجُل عَلَى أَهْلِهِ أَوْ نَحْو ذَلِكَ مِنْ الْأَعْمَال ، وَلِهَذَا قَالَ { ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ } أَيْ إِذَا دَخَلُوا فِي حَالٍ غَيْر هَذِهِ الْأَحْوَال فَلَا جُنَاح عَلَيْكُمْ فِي تَمْكِينِكُمْ إِيَّاهُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ إِنْ رَأَوْا شَيْئًا مِنْ غَيْر تِلْكَ الْأَحْوَال لِأَنَّهُ قَدْ أُذِنَ لَهُمْ فِي الْهُجُوم وَلِأَنَّهُمْ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ أَيْ فِي الْخِدْمَة وَغَيْر ذَلِكَ اِنْتَهَى كَلَامه .
وَرِوَايَة عِكْرِمَة عَنْ اِبْن عَبَّاس الْمَذْكُورَة أَخْرَجَهَا اِبْن أَبِي حَاتِم أَيْضًا وَهَذَا لَفْظه حَدَّثَنَا الرَّبِيع بْن سُلَيْمَان حَدَّثَنَا اِبْن وَهْب أَخْبَرَنَا سُلَيْمَان بْن بِلَال عَنْ عَمْرو بْن أَبِي عَمْرو عَنْ عِكْرِمَة عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّ رَجُلَيْنِ سَأَلَاهُ عَنْ الِاسْتِئْذَان فِي ثَلَاث عَوْرَات الَّتِي أَمَرَ اللَّه بِهَا فِي الْقُرْآن فَقَالَ اِبْن عَبَّاس إِنَّ اللَّه سِتِّير يُحِبّ السِّتْر كَانَ النَّاس لَيْسَ لَهُمْ سُتُور عَلَى أَبْوَابهمْ وَلَا حِجَال فِي بُيُوتهمْ فَرُبَّمَا فَاجَأَ الرَّجُلَ خَادِمُهُ أَوْ وَلَدُهُ أَوْ يَتِيمُهُ فِي حِجْرِهِ وَهُوَ عَلَى أَهْلِهِ فَأَمَرَهُمْ اللَّهُ أَنْ يَسْتَأْذِنُوا فِي تِلْكَ الْعَوْرَات الَّتِي سَمَّى اللَّهُ ثُمَّ جَاءَ اللَّهُ بَعْدُ بِالسُّتُورِ فَبَسَطَ اللَّه عَلَيْهِمْ الرِّزْقَ @
الصفحة 98