كتاب الروح - ابن القيم - ط عطاءات العلم (اسم الجزء: 1)

والسنة. قال: فإنه سبحانه ذكر إمساكَ التي قَضَى عليها الموت من هذه الأنفس التي توفاها وفاةَ النوم. وأما التي توفاها حين موتها، فتلك لم يصفها بإمساكٍ ولا بإرسال، بل هي قِسْم ثالث (¬١).
والذي يترجَّح هو القول الأول: لأنّه سبحانه أخبر بوفاتين: وفاة كبرى وهي وفاة الموت، ووفاة صغرى وهي وفاة النوم. وقسَم الأرواح قسمين: قسمًا قضى عليها الموت، فأمسكها عنده وهي التي تَوفَّاها وفاة الموت. وقسمًا لها بقيةُ أجلٍ، فردَّها إلى جسدها إلى استكمال أجلها. وجعل سبحانه الإمساك والإرسال حُكمَين للوفاتين المذكورتين أولًا: فهذه ممسَكة، وهذه مرسَلة. وأخبر أنَّ التي لم تمُت هي التي توفَّاها في منامها، فلو كان قد قَسَم وفاة النوم إلى قسمين: وفاة موت، ووفاة نوم = لم يقل: {وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ} فإنها من حين قُبِضت ماتت. وهو سبحانه قد أخبر أنها لم تمُت، فكيف يقول بعد ذلك: {فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ}؟
ولمن نصَرَ هذا القولَ أن يقول: قوله: {فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ} بعد أن توفّاها وفاة النوم. فهو سبحانه توفَّاها أولًا وفاة نومٍ، ثم قضى عليها الموت بعد ذلك.
والتحقيق (¬٢) أنَّ الآية تتناول النوعين، فإنه سبحانه ذكر وفاتين: وفاة
---------------
(¬١) مجموع الفتاوى (٥/ ٤٥٣). ويريد بالسنة قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "باسمك ربي وضعت جنبي، وبك أرفعه. فإن أمسكت نفسي فارحمها، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين" (متفق عليه). انظر: مجموع الفتاوى (٤/ ٢٧٥). وانظر: الردّ على المنطقيين (٤٨٥).
(¬٢) من "والذي يترجح .. " كان من تعليق المصنف على كلام شيخه. ويوهم السياق أن هذا "التحقيق" أيضًا جزء من تعليقه. والواقع أنه من كلام شيخ الإسلام. انظر: مجموع الفتاوى (٥/ ٤٥٣).

الصفحة 58