{لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا. بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ}، فقوله هنا: {بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ} يُبَيِّنُ أنّه رفع بدنه وروحه؛ كما ثبت في الصّحيح أنّه ينزل ببدنه وروحه، إذ لو أُريد موته؛ لقال: وما قتلوه وما صلبوه، بل مات ...
ولهذا قال مَنْ قال من العلماء: إنِّي متوفِّيك؛ أي: قابضك؛ أي: قابض روحك وبدنك؛ يقال: توفيت الحساب واستوفيته.
ولفظ (التَّوَفِّي) لا يقتضي نفسه توفي الرُّوح دون البدن، ولا توفيهما جميعًا؛ إِلَّا بقرينة منفصلة.
وقد يُراد به توفِّي النوم؛ كقوله تعالى: {اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا} [الزمر: ٤٢]، وقوله: {وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ} [الأنعام: ٦٠]، وقوله: {حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا} [الأنعام: ٦١] (¬١).
وليس الكلام في هذا البحث عن رفع عيسى -عليه السّلام-، وإنّما جاء ذكر ذلك لبيان أنّه رُفَع ببدنه وروحه، وأنّه حيٌّ الآن في السَّماء، وسينزل في آخر الزّمان، ويؤمن به من كان موجودًا من أهل الكتاب؛ كما قال تعالى: {وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ}.
قال ابن جرير: "حدّثنا ابن بشار؛ قال: حدّثنا سفيان عن أبي حصين عن سعيد بن جُبير عن ابن عبّاس: {وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ
---------------
(¬١) "مجموع الفتاوى" (٤/ ٣٢٢ - ٣٢٣).