كتاب الصلاة - ابن القيم - ط عطاءات العلم (اسم الجزء: 1)
يضرُّ معه شيءٌ في الأرض ولا في السَّماء، فشأن المسمَّى أعْلى وأجلُّ.
و «تعالى جدُّه» أي: ارتفعت عظمتُه، وجلَّت فوق كُلِّ عظمةٍ، وعلا شأنُه على كُلِّ شأنٍ، وقَهَر سلطانُه على كُلِّ سلطانٍ. فتعالى جدُّه أن يكون معه شريكٌ في ملكه وربوبيته، أو في إلهيَّته، أو في أفعاله، أو في صفاته، كما قال مؤمنو (¬١) الجنِّ: {وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا} [الجن/٣]. فكم في هذه الكلمات من تجلٍّ لحقائق (¬٢) الأسماء والصِّفات على قلب العارف بها، غير المعطِّل لحقائقها (¬٣).
فإذا قال: «أعوذ بالله من الشَّيطان الرجيم» فقد آوى إلى ركنه الشَّديد، واعتصم بحولِه وقوَّتِه من عدوِّه، الذي يريد أنْ يقطعه عن ربِّه، ويباعده عن قُرْبِه، ليكون أسوأ حالًا (¬٤).
فإذا قال: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الفاتحة/٢] وقف هنيئةً (¬٥)
---------------
(¬١) هـ: «مؤمني». ط: «مؤمن».
(¬٢) هـ: «الكمالات .. ». ض: « .. بحقائق».
(¬٣) س: «بحقائقها».
(¬٤) س: «من ربه .. ليكونا سواء»، و «حالا» من هـ وط.
(¬٥) هكذا في جميع النُّسخ، وفي س: «هنئة». وستتكرَّر هذه الكلمة كما أثبتُّه في مواضع تالية. قال النَّووي في شرح صحيح مسلمٍ (٥/ ٩٦): «قوله: «سكت هنيَّة» هي بضمِّ الهاء وفتح النُّون وتشديد الياء بغير همزة، وهي تصغير هَنَةٍ، أصلها هنوة، فلمَّا صُغِّرت صارت هُنَيْوَة، فاجتمعت واوٌ وياءٌ، وسُبِقت إحداهما ... =
= ... بالسُّكون، فوجب قلب الواو ياءً، فاجتمعت ياءان، فادغمت إحداهما في الأخرى، فصارت هُنَيَّة، ومن همزها فقد أخطأ، ورواه بعضهم: «هنيهَةً»، وهو صحيحٌ أيضًا».
قال الحافظ ابن حجر في الفتح (٢/ ٢٢٩): «وهنيَّة بالنُّون بلفظ التَّصغير، وهو عند الأكثر بتشديد الياء. وذكر عياض والقُرطبي أنَّ أكثر رواة مسلمٍ قالوه بالهمزة .. قال غيره: لا يمنع ذلك إجازة الهمز؛ فقد تقلب الياء همزة، وقد وقع في رواية الكشميهني: «هنيهةً» بقلبها هاء، وهي رواية إسحاق والحميدي في مسنديهما».