كتاب قسم من المعجم الأوسط للطبراني تحقيق ودراسة (اسم الجزء: 1)

شواهد للحديث:
- والحديث بلفظ "مُدَارَاةُ النَّاسِ صَدَقَةٌ" لم أقف له على شواهد صحيحة بهذا اللفظ، وما وقفتُ عليه أسانيدها إما أنْ يكون فيها متروك، أو متهم، أو وضَّاع (¬١)، وأمْثل ما وَقفتُ عليه هو حديث المقدام بن مَعْدي كرب:
أخرجه تمّام بن محمد في "فوائده" - كما في "الروض البسام" (١١٠٣) -، وابن قانع في "معجم الصحابة" (٣/ ١٠٦)، من طريق بقية بن الوليد، عن بَحير بن سَعد، عن خالد بن مَعْدان، عن المقدام بن مَعْدي كرب، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "مُدَارَاةُ النَّاسِ صَدَقَةٌ". قلتُ: وفيه بقية بن الوليد يدلّس تدليس التسوية، ولم يصرّح بالتحديث. وقال ابن الجوزي: وروى عن المقدام بن معدي كرب، عن أبيه، قال إبراهيم الحربي: وهو حديثٌ كذب. (¬٢)
- والحديث يشهد له بالمعنى ما أخرجه البخاري، ومسلم من حديث عائشة رضي الله عنها، أنَّه استأذن على النبي - صلى الله عليه وسلم - رجل، فقال: «ائْذَنُوا لَهُ، بِئْسَ ابْنُ العَشِيرَةِ، أَوِ بئس أَخُو العَشِيرَةِ». فَلَمَّا دَخَلَ أَلَانَ لَهُ الكَلَامَ، فقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قُلْتَ الَّذِي قُلْتَ، ثُمَّ أَلَنْتَ لَهُ في القول؟ قَالَ: «أَيْ عَائِشَةُ، إِنَّ شَرَّ النَّاسِ منزلة عند الله مَنْ تَرَكَهُ، أَوْ وَدَّعَهُ النَّاسُ، اتِّقَاءَ فُحْشِهِ». (¬٣)
قال الحافظ ابن حجر في "الفتح": والنكتة في إيراده هنا - أي في باب مداراة الناس - التلميح إلى ما وقع في بعض الطرق بلفظ المداراة، وهو عند الحارث بن أبي أسامة، من حديث صَفْوان بن عَسَّال (¬٤)، نحو حديث عائشة، وفيه: "فقال: إنه منافق أُداريه عن نِفاقه، وأخشى أن يُفسد على غيره". (¬٥)
ب الحكم على الحديث مِنْ وجهه الراجح (بالوجه الثاني):
مِمَّا سبق يَتَبَيَّنُ أنَّ الحديث بالوجه الثاني "صَحيحٌ"، لأخرج البخاري له، وهذا كافٍ لثبوت صحته.
وفي الباب عن حذيْفة بن اليمان - رضي الله عنه -، أخرجه الإمام مسلم في "صحيحه" عن أبي مالك الأشجعي، عن رِبْعِيّ بن حِراش، عن حُذيْفة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ". (¬٦)
---------------
(¬١) مَنْ رَامَ المزيد من الشواهد، فليُراجع: "مداراة الناس" لابن أبي الدنيا (٤، ٥)، "العلل المتناهية" لابن الجوزي (٦/ ١٢)، "العلل" لابن أبي حاتم (مسألة/٢١٧٨)، "علل الدارقطني" (مسألة/١٣٧٢)، "السلسلة الصحيحة" للألباني حديث رقم (٤٥٠٨).
(¬٢) يُنظر: "العلل المتناهية" لابن الجوزي (٢/ ٢٤٣).
(¬٣) أخرجه البخاري في "صحيحه" (٦١٣١) ك/الأدب، ب/المُداراة مع الناس. وبرقم (٦٠٣٢) ك/الأدب، ب/لم يكن النبي - صلى الله عليه وسلم - فاحشًا ولا مُتَفَحِّشًا. وانظر شرحه - مشكُورًا - في "فتح الباري" (١٠/ ٤٥٣) و (١٠/ ٤٧١). وبرقم (٦٠٥٤) ك/الأدب، ب/ما يجوز من اغتياب أهل الفساد والرّيَب. ومسلم في "صحيحه" (٢٥٩١/ ١ - ٢) ك/ البر والصلة، ب/ مداراة مَنْ يُتَّقَى فُحشه.
(¬٤) أخرجها ابن أبي أسامة - كما "بغية الباحث" (٨٠٠) -، وقال محققه: في سنده الخليل بن زكريا "متروك".
(¬٥) يُنظر: "فتح الباري" (١٠/ ٥٢٩).
(¬٦) أخرجه الإمام مسلم في "صحيحه" (١٠٠٥) ك/ الزكاة، ب/ بيان أنَّ اسم الصدقة يقع على كل نوْعٍ من المعروف.

الصفحة 478