كتاب قسم من المعجم الأوسط للطبراني تحقيق ودراسة (اسم الجزء: 1)
فَخَرَجْتُ حَتَّى أَتَيْتُ مَنْزِلِي، فَجَعَلْتُ سَيْفِي وَجِرَابِي وَنَعْلِي (¬١) عِنْدَ رَأْسِي، وَاسْتَقْبَلْتُ بِوَجْهِيَ الأُفُقَ. فَلَمَّا نِمْتُ سَاعَةً انْتَبَهْتُ، فَإِذَا رَأَيْتُ عَلَيَّ لَيْلا نِمْتُ، حَتَّى انْشَقَّ عَمُودُ الصُّبْحِ الأَوَّلُ.
فَأَرَدْتُ أَنْ أَنْطَلِقَ، فَإِذَا إِنْسَانٌ يَسْعَى يَدْعُو: يَا بِلالُ! أَجِبْ رَسُولَ اللَّهِ.
فَانْطَلَقْتُ حَتَّى أَتَيْتُهُ، فَإِذَا أَرْبَعُ رَكَائِبَ مُنَاخَاتٌ، عَلَيْهِنَّ أَحْمَالُهُنَّ.
فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -، فَاسْتَأْذَنْتُ.
فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: «أَبْشِرْ، فَقَدْ جَاءَكَ اللَّهُ بِقَضَائِكَ». فَحَمِدْتُ اللَّهَ.
فَقَالَ: «أَلَمْ تَمُرَّ عَلَى الرَّكَائِبِ الْمُنَاخَاتِ الأَرْبَعِ؟» قُلْتُ: بَلَى.
فَقَالَ: «إِنَّ لَكَ رِقَابَهُنَّ وَمَا عَلَيْهِنَّ، فَإِنَّ عَلَيْهِنَّ كِسْوَةً، وَطَعَامًا (¬٢) أَهْدَاهُ إِلَيَّ عَظِيمُ فَدَكَ (¬٣)، فَاقْبِضْهُنَّ، ثُمَّ اقْضِ دَيْنَكَ».
فَفَعَلْتُ، فَحَطَطْتُ عَنْهُنَّ أَحْمَالَهُنَّ، ثُمَّ عَلَفْتُهُنَّ، ثُمَّ قُمْتُ إِلَى تَأْذِينِ صَلاةِ الصُّبْحِ. حَتَّى إِذَا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -، خَرَجْتُ إِلَى الْبَقِيعِ، فَجَعَلْتُ إِصْبَعِي فِي أُذُنِي، فَنَادَيْتُ: مَنْ كَانَ يَطْلُبُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بِدَيْنٍ فَلْيَحْضُرْ.
فَمَا زِلْتُ أَبِيعُ وَأَقْضِيَ، حَتَّى لَمْ يَبْقَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - دِينٌ فِي الأَرْضِ، حَتَّى فَضَلَ فِي يَدَيَّ أُوقِيَّتَيْنِ (¬٤)، أَوْ أُوقِيَّةٌ وَنِصْفٌ.
ثُمَّ انْطَلَقْتُ إِلَى الْمَسْجِدِ وَقَدْ ذَهَبَ عَامَّةُ (¬٥) النَّهَارِ، وَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَاعِدٌ فِي الْمَسْجِدِ وَحْدَهُ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ.
---------------
(¬١) كذلك بالأصل، وفي "المعجم الكبير"، و"الأحاديث الطوال": " ... فَجَعَلْتُ سَيْفِي، وَجِرَابِي، وَمِجَنِّي، وَنَعْلِي ... "، وفي "الشاميِّين": " ... فَجَعَلْتُ سَيْفِي وَرُمْحِي وَنَعْلِي ... ".
(¬٢) في الأصل: "طعام"، والصواب ما أثبتُه، والتصويب من "الأحاديث الطوال" (٤٩)، ومن بعض مصادر تخريج الحديث.
(¬٣) بفتح أوّله وثانِيه، قرية بالحجاز بينها وبين المدينة يومان، وقيل ثلاثة، وبينها وبين خيبر يومان؛ أفاءها الله على رسوله - صلى الله عليه وسلم -، في سنة سبع صلحا، وذلك أن النبي، - صلى الله عليه وسلم -، لما نزل خيبر وفتح حصونها ولم يبق إلا ثلاث، واشتد بهم الحصار راسلوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، يسألونه أن ينزلهم على الجلاء، وفعل، وبلغ ذلك أهل فدك فأرسلوا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أن يصالحهم على النصف من ثمارهم وأموالهم فأجابهم إلى ذلك، فهي مما لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب فكانت خالصة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وتسمى اليوم: «الحائط». ولها في الحديث والسيرة قصة يطول ذكرها. يُنظر: "معجم ما استعجم من أسماء البلاد" (٣/ ١٠١٦)."معجم البلدان" (٤/ ٢٣٨). "المعالم الأثيرة في السنة والسيرة" محمد شُرَّاب (١/ ٢١٥). "معجم المعالم الجغرافية في السيرة" (ص/ ٢٣٥). "أطلس الحديث النبوي" (ص/٢٩٢). ويُنظر: "صحيح البخاري" ك/فَرْضِ الخُمُسِ، أحاديث رقم (٣٠٩١، ٣٠٩٢، ٣٠٩٣). "صحيح مسلم" ك/الجِهَادِ وَالسِّيَرِ، ب/قَوْلِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنَا فَهُوَ صَدَقَةٌ»، (١٧٥٨، ١٧٥٩).
(¬٤) هو كذلك بالأصل " أُوقِيَّتَيْنِ"، وفي "الكبير"، و"مسند الشاميين"، وبقية مصادر التخريج: " أُوقِيَّتَانِ".
(¬٥) في الأصل: كلمة "عامة" مُكررة.