كتاب قسم من المعجم الأوسط للطبراني تحقيق ودراسة (اسم الجزء: 1)

وَيُرْسِلُهَا مَرَّةً وَيُسْنِدُهَا أُخْرَى عَلَى حَسَبِ نَشَاطِهِ، فَالْحُكْمُ أَبَدًا لِمَنْ رَفَعَ عَنْهُ وَأَسْنَدَ بَعْدَ أَنْ يَكُونَ ثِقَةً حَافِظًا، مُتْقِنًا عَلَى السَّبِيلِ الَّذِي وَصَفْنَاهُ، فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ. (¬١) وقال الدَّارقطني: ومن عادة مالك أن يُرْسل أحاديث. (¬٢) وقال الخليلي: كَانَ مَالِكٌ يُرْسِلُ أَحَادِيثَ، لا يُبَيِّنُ إِسْنَادَهَا، وَإِذَا اسْتَقْصَى عَلَيْهِ مَنْ يَتَجَاسَرُ أَنْ يَسْأَلَهُ، رُبَّمَا أَجَابَهُ إِلَى الْإِسْنَادِ. (¬٣) ونقل ابن رجب عن الإمام أحمد، قال: ومالكٌ يُرسل أشياء كثيرة يُرْسلها غيره. (¬٤)

رابعًا: - الحكم على الحديث:
من خلال ما سبق يتضح أنَّ الحديث بإسناد الطبراني "صحيحٌ لذاته".
وقال الهيثميُّ: رَوَاهُ الطَّبرانيُّ في "الأَوسط"، ورجاله رجال الصَّحيح. (¬٥)
خامسًا: - النظر في كلام المُصنِّف - رضي الله عنه - على الحديث:
قال المُصنِّف - رضي الله عنه -: لم يَرو هذا الحديثَ عن مالك إِلَّا مَعْن، تَفَرَّد به: إبراهيم بن الْمُنذِر.
قلتُ: وفي كلامه - رضي الله عنه - نظر؛ لكون مَعْن بن عيسى لم يَنْفرد برواية هذا الحديث عن مالك، بل تابعه يحيى بن عبد الله بن بُكير، عن مالك، وقد أشار الإمام الدَّارقطني إلى روايته - كما سبق -.

سادسًا: - التعليق على الحديث:
- قال ابن عبد البر: ليس في الحديث ما يحتاج إلى القول، وفيه إباحة الخبر عن القيامة والآخرة وحال النار - أجارنا الله منها -، وفيما نطق به القرآن من الخبر عن الآخرة، مُعْتَبر لأولي الأبصار. (¬٦)
- وليُعلم أنَّ الجنَّة والنَّار مخلوقتان وموجودتان الآن، نطقت بذلك الآيات والأخبار؛ قال الله عزّ وجلّ عن الجنَّة {أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣)} (¬٧)، وقال - جل جلاله - عن النَّار {وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (١٣١)} (¬٨).
وتواترت الأحاديث الصحيحة على إثبات ذلك، منها: ما أخرجه البخاري ومسلم في "صحيحيهما"، في حديث الإسراء، وفيه: أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " ثُمَّ أُدْخِلْتُ الجَنَّةَ، فَإِذَا فِيهَا جَنَابِذُ اللُّؤْلُؤِ، وَإِذَا تُرَابُهَا المِسْكُ ". (¬٩)
وأخرج البخاري في "صحيحه"، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -، قَالَ: «اطَّلَعْتُ فِي الجَنَّةِ فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا الفُقَرَاءَ،
---------------
(¬١) يُنظر: "صحيح ابن حبَّان" - كما في "الإحسان" (١١/ ٥٩١).
(¬٢) يُنظر: "العلل" (١٤/ ٤٢٥/مسألة ٣٧٧٢).
(¬٣) يُنظر: "الإرشاد" للخليلي (١/ ١٦٥).
(¬٤) يُنظر: "شرح علل الترمذي" (٢/ ٤٨٨).
(¬٥) يُنظر: "مجمع الزوائد" (١٠/ ٣٨٧).
(¬٦) يُنظر: "التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد" (١٨/ ١٦٢).
(¬٧) سورة "آل عمران"، آية (١٣٣).
(¬٨) سورة "آل عمران"، آية (١٣١).
(¬٩) أخرجه البخاري في "صحيحه" (٣٤٩) ك/الصلاة، ب/كَيْفَ فُرِضَتِ الصَّلَاةُ فِي الإِسْرَاءِ؟، وبرقم (٣٣٤٢) ك/الأنبياء، ب/ذِكْرِ إِدْرِيسَ - عليه السلام -، ومسلم في "صحيحه" (١٦٣) ك/الإيمان، ب/الْإِسْرَاءِ بِرَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - إِلَى السَّمَاوَاتِ، وَفَرْضِ الصَّلَوَاتِ.

الصفحة 602