كتاب العزيز شرح الوجيز المعروف بالشرح الكبير ط العلمية (اسم الجزء: 1)

اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ وَعَدَّهَا آيَةَ مِنْهَا" (¬1).
وروي أنه قال: "إِذَا قَرَأتُم فَاتِحَةَ الْكِتَاب فَاقْرَؤُا بِسْم اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ فَإِنَّهَا أُمُّ الْقُرْآنِ، وَالسَّبْعُ الْمَثَانِي، وَإِنَّ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ آيَةٌ مَنْهَا" (¬2).
وأما حكم التسمية في سائر السور سوى سورة "براءة" لأصحابنا فيه طريقان:
أحدهما: أن في كونها من القرآن في أول السور قولين:
أصحهما: أنها من القرآن؛ لأنها مثبتة في أوائلها بخط المصحف فتكون من القرآن كما في الفاتحة، ولو لم تكن كذلك لما أثبتوها بخط القرآن.
والثاني: أنها ليست من القرآن وأنما كتبت للفصل بين السورتين، لما روي عن ابن عباس قال: "كَانَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- لاَ يَعْرِفُ فَضْلَ السُّورَتَيْنِ حَتى يَنْزِلَ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ" (¬3).
والطريقة الثانية: وهي الأصح: أنها مِن القرآن في أول سائر السور أيضاً بلا خلاف، وإنما الخلاف في أنها آية مستقلة منها أم هي مع صدر السورة آية، ولا يستبعد التردد في كونها آية أو بعض آية في أول سائر السور مع القطع بأنها آية من أول الفاتحة، ألاّ ترى أنهم اتفقوا على أنها بعض آية من "سورة النَّمْلِ" وأن "الحمد لله رب العالمين" آية تامة من الفاتحة، وهو بعض آية في قوله تعالى: {وَآخِرُ دَعوَاهُم أَنِ الحَمدُ للهِ رَب العَالَمِينَ} (¬4) فأحد القولين: أنها بعض الآية من سائر السور؛ لما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "سُوَرةٌ تَشْفَعُ لِقَارئهَا وَهِيَ ثَلاثُونَ آيَةٌ وَهِيَ الْمُلْكُ" (¬5).
وتلك السورة ثلاثون آية سوى التسمية؛ وأصحهما: أنها آية تامة كما في أول الفاتحة. واعلم: أن جمهور أصحابنا لم ينقلوا الطريقتين جميعاً، بل اقتصر بعضهم على نقل الثانية، والأكثرون على نقل الأولى، لكن جمع بينهما الصيدلاني، وتابعه إمام الحرمين وغيره، هذا مذهبنا. وقال مالك: ليست التسمية من القرآن إلا من سورة
¬__________
(¬1) أخرجه الدارقطني (1/ 307) وقال إسناده صحيح كلهم ثقات، والحاكم (1/ 231) وقال: على شرط الشيخين وابن خزيمة (493) وصححه وله طرق انظر التلخيص (1/ 232).
(¬2) أخرجه الدارقطني (1/ 312) من رواية أبي هريرة بإسناد صحيح، وعنه أن رجاله كلهم ثقات وذكره ابن السكن في صحاحه، قاله ابن الملقن. انظر الخلاصة (1/ 119 - 120).
(¬3) أخرجه أبو داود (788) والحاكم (1/ 231) وقال صحيح على شرطهما.
(¬4) سورة يونس، الآية 10.
(¬5) أخرجه أبو داود (1440) والترمذي (3053) والنسائي في عمل اليوم والليلة (710) وابن ماجه (3786) وابن حبان كذا في الموارد (1766).

الصفحة 494