كتاب العزيز شرح الوجيز المعروف بالشرح الكبير ط العلمية (اسم الجزء: 1)
وأظهرهما: أنه يُؤَمِّنُ في القدر الذي هو دعاء، أما في الثناء فيشاركه، أو يسكت وإن كان لا يسمع صوت الإمام؛ لبعد؛ وغيره. وقلنا: إنه لو سمح لأمن، فهاهنا وجهان: أحدهما: يقنت.
والثاني: يُؤَمِّن كالوجهين في قراءة السورة، إذا كان لا يسمع صوت الإمام، وإنما لم يجر الخلاف على قولنا الإمام يسر بالقنوت مع جريانه في قراءة السورة في الصلاة السرية؛ لأن السورة على الجملة مجهور بها، والقنوت إذا لم ير الجهرية ينزل منزلة سائر الأذكار، فيشارك المأموم الإمام فيه لا محالة، فهذا حكم الجهر بالقنوت في الصبح، وأما في سائر الصلوات إذا قنت فيها فإيراده في "الوسيط" يشعر بأنه يسر في السريات، وفي الجهريات الخلاف المذكور في الصبح، وإطلاق غيره يقتضي طرد الخلاف في الكل، وحديث (بئر معونة) يدل على أنه كان يجهر به في جميع الصلوات (¬1)، وهل يسن رفع اليدين في القنوت؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم؛ لما روي عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "إِذَا دَعَوْتَ فَادْعُ بِبُطُونِ كَفَّيْكَ، فَإِذَا فَرَغْتَ فَامْسَحَ رَاحَتَيْكَ عَلَى وَجْهِكَ" (¬2).
وقد روى الرفع في القنوت عن ابن مسعود، بل عن عمر وعثمان -رضي الله عنهم- وهو اختيار أبي زيد، والشيخ أبي محمد، وابن الصباغ، وهو الذي ذكره في "الوسيط".
وأظهرهما: عند صاحبي "المهذب" و"التهذيب": أنه لا يرفع لما روي عن أنس - رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم-: "لَمْ يَكُنْ يَرْفَعْ الْيَدَ إلاَّ فِي ثَلاثَةِ مَوَاطِنَ، الإسْتِسْقَاءِ، وَالإِسْتِنْصَارِ، وَعَشِيَّةَ عَرَفَةَ" (¬3) وهذا اختيار القفال، وإليه ميل إمام الحرمين، فَإِنْ قلنا: لا
¬__________
(¬1) قال الحافظ: ويمكن الفرق بين القنوت الذي في النوازل فيستحب الجهر فيه كما ورد، وبين الذي هو راتب إن صح، فليس في شيء من الأخبار ما يدل على أنه جهر به، بل القياس أنه يسن به كباقي الأذكار التي تقال في الأركان.
(¬2) أخرجه أبو داود (1485) وابن ماجة (1181) قال أبو حاتم: حديث منكر، وقال أبو داود: روى من أوجه كلها واهية، قال الإمام أحمد: لا يعرف هذا أنه كان يمسح وجهه بعد الدعاء إلا عن الحسن، انظر الخلاصة (1/ 229).
(¬3) قال الحافظ: لا أصل له من حديث أنس بل في الصحيحين عن أنس: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لا يرفع يديه في كل دعائه إلا في الاستسقاء، فإنه يرفع يديه حتى يرى بياض إبطيه وروى البيهقي عن أنس أنه رفع يديه في القنوت، وعن عائشة أنه رفع يديه في دعائه لأهل البقيع رواه مسلم، وعنده عن عمر: أنه رفع يده -صلى الله عليه وسلم- في دعائه يوم بدر، وللبخاري عن ابن عمر: أنه رفعها في دعائه عند الجمرة الوسطي، وعن أنس: أنه رفعهما لما صبح خيبره واتفقا على رفع يديه في دعائه لأبي موسى الاشعري، وروى البخاري في جزء رفع اليدين رفع يديه في مواطن من حديث عائشة وأبي هريرة وجابر، وعلي وقال: هي صحيحة فيتعين حينئذ تأويل حديث أنس أنه أراد الرفع البليغ، بدليل قوله: حتى يرى بياض إبطيه.